بعيدا عن التصريحات العشوائية أو الآراء الفردية المبنية على الانفعالات، أو حتى بعض البلاغات المتسرعة، فقد قدّم المغرب، بلغة الأرقام وبشهادة المنصفين، نموذجاً استثنائياً في تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025، جامعاً بين النجاح التنظيمي، القفزة التجارية، والتألق الرياضي، ليضع بصمته كأفضل نسخة في تاريخ البطولة القارية، وفق إشادة رسمية من الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) ومتابعين دوليين.
نجاح تجاري غير مسبوق
أعلنت “الكاف” أن نسخة المغرب 2025 حققت نجاحاً تجارياً تاريخياً، بعدما ساهمت في رفع مداخيل الكونفدرالية بأكثر من 90% مقارنة بالنسخ السابقة، لتصبح بذلك النسخة الأكثر ربحاً في تاريخ البطولة.
ويعود هذا الإنجاز إلى ارتفاع عدد الشركاء التجاريين بشكل قياسي، حيث قفز الرقم من 9 رعاة في نسخة الكاميرون 2021، إلى 17 في كوت ديفوار 2023، وصولاً إلى 23 راعياً في نسخة المغرب الحالية، ما يعكس الجاذبية المتزايدة للبطولة لدى العلامات التجارية العالمية.
واعتمد “الكاف” استراتيجية قائمة على تحليل البيانات، عقب دراسة معمقة لاهتمامات الجماهير بعد نسخة 2023، كشفت عن وجود طلب قوي في أسواق غير مستغلة سابقاً، خاصة في الصين واليابان والبرازيل وعدد من الدول الأوروبية، وهو ما مكّن من توسيع دائرة البث والرعاية.
إشادة دولية بالتنظيم والبنية التحتية
لم يقتصر النجاح على الأرقام المالية فقط، بل امتد إلى التنظيم الميداني، حيث عبّر إعلاميون إيطاليون عبر قناة “سبورت إيطاليا” عن إعجابهم الكبير بالبنية التحتية المغربية ومستوى الاحتراف في الاستقبال والتنظيم.
وأكد المتدخلون أن المغرب فاجأ الجميع بجاهزية ملاعبه، وجودة الطرق، وتنظيم حركة السير، وسهولة دخول وخروج الجماهير، مقارنة بملاعب أوروبية عريقة مثل سان سيرو والأولمبيكو، التي تعاني من الازدحام وسوء التنظيم.
واعتبر الإعلاميون أن المغرب كسر الصورة النمطية عن “العالم الثالث”، مقدّماً نموذجاً متطوراً في التخطيط العمراني والخدمات اللوجستية، مشيرين إلى أن المملكة استغلت “كان 2025” كبروفة عامة لكأس العالم 2030، الذي ستنظمه إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
بنية تحتية حديثة
شكّلت البنية التحتية المتطورة ركيزة أساسية في نجاح تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، حيث اعتمدت المملكة على تكامل الملاعب مع شبكات النقل والطرق والمطارات في منظومة متكاملة سهّلت تنقل الجماهير والمنتخبات.
وساهم القطار فائق السرعة "البُراق" إلى جانب وسائل النقل الحديثة في تقليص المسافات بين المدن المستضيفة، خاصة الرباط، طنجة والدار البيضاء، ما جعل التنقل سريعاً ومريحاً.
واحتضنت الرباط مركب الأمير مولاي عبد الله بحلته الجديدة، فيما استفادت طنجة والدار البيضاء من تجهيزات حديثة سهّلت الولوج إلى الملاعب وتنظيم الحشود.
كما أقامت المنتخبات في فنادق مصنفة مرتبطة بشبكة نقل فعالة، ما انعكس إيجاباً على الجاهزية والأداء.
ويؤكد هذا النموذج أن المغرب لم يراهن على الملاعب فقط، بل على منظومة بنيوية شاملة ضمن رؤية استراتيجية استعداداً لكأس العالم 2030.
أرقام قياسية داخل المستطيل الأخضر
رياضياً، دخلت نسخة المغرب التاريخ بعدما أصبحت الأكثر تسجيلاً للأهداف في تاريخ كأس أمم إفريقيا، برصيد 120 هدفاً قبل مباراة النهائي، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في نسخة مصر 2019 (102 هدف).
وشهدت البطولة تألق منتخبات كبرى مثل المغرب والسنغال ونيجيريا وكوت ديفوار، إلى جانب بروز مواهب شابة فرضت نفسها بقوة.
وتصدر النجم المغربي إبراهيم دياز قائمة الهدافين برصيد 5 أهداف، يليه كل من محمد صلاح وفيكتور أوسيمين بـ4 أهداف، في سباق مفتوح حتى صافرة الختام.
رؤية تتجاوز “كان 2025”
لم تكن استثمارات المغرب ظرفية، بل جزءاً من رؤية استراتيجية تمتد إلى ما بعد البطولة، مع مشاريع لتوسيع شبكة “البُراق” نحو مراكش وأكادير في إطار استعدادات كأس العالم 2030.
وبذلك، نجح المغرب في تقديم نسخة استثنائية من كأس أمم إفريقيا، جمعت بين الاحتراف التنظيمي، القفزة الاقتصادية، والمتعة الكروية، ليؤكد مرة أخرى أنه أصبح رقماً صعباً في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى قارياً ودولياً.
