73.2% ضعفاء في العلوم والرياضيات والقراءة.. تقييم دولي يخلف صدمة جديدة للتعليم المغربي

 73.2% ضعفاء في العلوم والرياضيات والقراءة.. تقييم دولي يخلف صدمة جديدة للتعليم المغربي
آخر ساعة
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 14:48

وضعت نتائج دراسة PISA 2025، التي نُشرت في 8 شتنبر 2026، والمتخصصة في تقييم أنظمة التعليم، المغرب مجددا ضمن الأنظمة التعليمية الأقل أداء على المستوى الدولي، بعدما سجل تراجعا في المجالات الثلاثة التي شملها التقييم، مع انخفاض حاد بشكل خاص في مستوى فهم المقروء.

المفارقة أن التلاميذ المغاربة يؤكدون رغبتهم في التعلم والمثابرة، ما يعني أن المشكلة لا ترتبط أساسا بغياب الدافعية، بقدر ما تكمن في عجز المنظومة التعليمية عن تحويل هذه الرغبة إلى كفاءات ومكتسبات فعلية.

وأظهر التقرير أن التلاميذ المغاربة البالغين 15 عاما حصلوا سنة 2025 على 358 نقطة في العلوم، و355 نقطة في الرياضيات، و321 نقطة فقط في فهم المقروء، مقابل متوسطات بلغت على التوالي 482 و463 و461 نقطة لدى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

 ويبلغ بذلك الفارق 124 نقطة في العلوم، و108 نقاط في الرياضيات، و140 نقطة في القراءة.

وتكشف هذه الفوارق الكبيرة عن صعوبة واضحة لدى التلاميذ المغاربة في توظيف المعارف التي اكتسبوها في الاستدلال، وفهم المعلومات، وحل المشكلات المرتبطة بالحياة اليومية، وهي المهارات التي يركز عليها اختبار PISA، بدلا من الاقتصار على استرجاع المعارف المحفوظة.

المغرب في المرتبة 86 في فهم المقروء

ويحتل المغرب المرتبة 86 من أصل 89 نظاما تعليميا تتوفر بشأنها بيانات قابلة للمقارنة في مجال فهم المقروء، والأكثر إثارة للقلق أن 87.2% من التلاميذ المغاربة لم يبلغوا المستوى الثاني، الذي تعتبره منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة.

وفي العلوم، يوجد 77.2% من التلاميذ المغاربة دون المستوى الثاني، بينما تكشف النتائج المتعلقة بالمجالات الثلاثة مجتمعة أن 73.2% من الشباب المغاربة يعانون ضعفا في المواد الثلاث جميعها، مقابل 20% في المتوسط لدى دول المنظمة.

وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة التلاميذ المغاربة المصنفين ضمن المتفوقين في واحد على الأقل من المجالات الثلاثة 0.1%، ما يعكس محدودية شريحة التلاميذ القادرين على بلوغ أعلى مستويات الأداء.

تراجع متواصل منذ 2018

وتؤكد مقارنة النتائج عبر السنوات استمرار تراجع أداء التلاميذ المغاربة. ففي العلوم، انخفض المتوسط من 377 نقطة سنة 2018 إلى 365 نقطة في 2022 ثم 358 نقطة في 2025.

وفي الرياضيات، تراجع من 368 نقطة في 2018 إلى 365 نقطة في 2022، ثم إلى 355 نقطة في 2025.

أما في فهم المقروء، فالتراجع كان أكثر حدة، إذ انتقل المعدل من 359 نقطة سنة 2018 إلى 339 نقطة في 2022 ثم 321 نقطة في 2025.

وبذلك يكون المغرب قد فقد خلال سبع سنوات 38 نقطة في فهم المقروء، و19 نقطة في العلوم، و13 نقطة في الرياضيات. كما تسارع التراجع منذ 2022، خصوصا في القراءة والرياضيات، إذ خسر المغرب خلال الفترة الممتدة بين الدورتين الأخيرتين 18 نقطة في فهم المقروء و10 نقاط في الرياضيات و7 نقاط في العلوم، مع الإشارة إلى أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لا تعتبر التغير المسجل في العلوم ذا دلالة إحصائية.

وكانت المنظمة قد أوضحت أن جزءا من التراجع المسجل بين 2018 و2022 قد يكون مرتبطا بتوسيع نطاق التمدرس ليشمل مراهقين من فئات اجتماعية أكثر هشاشة وتهميشا.

غير أن هذا التفسير لا يعني تحسن النتائج، بل يساهم فقط في وضعها في سياقها الصحيح. ويؤكد التراجع الجديد المسجل سنة 2025 أن الصعوبات التي تواجه النظام التعليمي المغربي لا تزال عميقة.

فوارق اجتماعية أقل.. لكن الأداء ضعيف لدى الجميع

وتكشف نتائج PISA 2025 عن مفارقة أخرى، إذ يبدو أن تأثير الوضع الاجتماعي والاقتصادي على النتائج في المغرب أقل من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

ففي العلوم، يفسر الوضع الاجتماعي والاقتصادي 9.1% من التفاوت في النتائج بالمغرب، مقابل 11.6% في دول المنظمة.

 كما يبلغ الفارق بين الربع الأكثر استفادة اجتماعيا واقتصاديا والربع الأكثر هشاشة 55 نقطة، مقابل 85 نقطة في المتوسط لدى المنظمة.

وتشير النتائج أيضا إلى أن 16.4% من التلاميذ المغاربة المنحدرين من أوساط اجتماعية واقتصادية هشة يمكن تصنيفهم ضمن "التلاميذ الصامدين"، أي الذين يحققون نتائج مرتفعة رغم ظروفهم الاجتماعية، مقابل 11.9% في دول المنظمة.

غير أن هذه الأرقام لا تعني أن المدرسة المغربية حققت العدالة التعليمية بشكل كامل، بل تعكس في جزء كبير منها انخفاض مستوى الأداء لدى مختلف الفئات. فالفوارق الاجتماعية تبدو أقل اتساعا لأن حتى التلاميذ المنحدرين من أسر ميسورة يحققون نتائج بعيدة عن المعايير الدولية.

وبين 2022 و2025، تراجعت نتائج التلاميذ الأكثر هشاشة في العلوم بـ13 نقطة، مقابل تحسن بـ5 نقاط لدى التلاميذ الأكثر استفادة اجتماعيا واقتصاديا، ما أدى إلى اتساع الفارق بين الفئتين بـ18 نقطة خلال ثلاث سنوات.

التلاميذ يريدون التعلم.. لكن المدرسة لا تحول الرغبة إلى نتائج

وتستبعد نتائج التقرير تفسيرا شائعا يقوم على اعتبار أن ضعف النتائج سببه عزوف الشباب عن التعلم، فقد صرح نحو 8 من كل 10 تلاميذ مغاربة بأنهم يحبون تعلم أشياء جديدة في المدرسة، مقابل أقل بقليل من 7 من كل 10 في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

كما أكد 72.5% من التلاميذ المغاربة أنهم ينهون ما يبدؤونه، مقابل 61.2% في دول المنظمة، بينما قال 67% إنهم يبذلون جهدا إضافيا عندما يصبح العمل صعبا، مقابل 59.5% في المتوسط لدى المنظمة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن أكثر من ثلث التلاميذ المغاربة يظهرون مستوى من الالتزام والرغبة في التعلم، لكنهم لا ينجحون في بلوغ الكفاءات التي يقيسها الاختبار.

ويبدو أن الإشكال يرتبط بدرجة أكبر بظروف التعلم وفعالية العملية التعليمية، في ظل مناخ انضباط أقل من المتوسط الدولي، واستمرار ظاهرة الغياب المدرسي، إذ لا يوجد سوى 31.9% من التلاميذ في فئة "ضعف الغياب" التي يعتمدها التقرير.

كما يسجل التقرير ضعفا في الدعم الأسري الذي يشعر به التلاميذ، في وقت يبلّغ فيه مديرو المؤسسات التعليمية المغربية عن واحدة من أعلى نسب الخصاص في الموارد البشرية التعليمية ضمن الأنظمة الـ88 التي شملتها المقارنة.

ويتابع 69.3% من التلاميذ المغاربة دراستهم في مؤسسات تتأثر قدرتها على التدريس، ولو جزئيا، بنقص المعدات والوسائل التعليمية.

الذكاء الاصطناعي وحده لن ينقذ المدرسة المغربية

وتقيس دورة PISA 2025 للمرة الأولى قدرة التلاميذ على حل المشكلات من خلال "التفكير الحاسوبي"، وقد حصل المغرب في هذا المجال على 374 نقطة، مقابل 500 نقطة في المتوسط لدى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وتشير النتائج إلى أن توفر التكنولوجيا لا يكفي وحده لتحسين التعلم. فرغم أن 44.9% من التلاميذ المغاربة يستخدمون الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل أسبوعيا من أجل التعلم، وأن 52.7% يقولون إنهم يتلقون تدريبا داخل الفصل على تقييم جودة المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، فإن جاهزية المؤسسات التعليمية الرقمية لا تزال ضعيفة ومتفاوتة بشكل كبير بين التعليم العمومي والخاص.

وتخلص منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن الأدوات الرقمية يمكن أن تدعم التعلم، لكنها لا تستطيع تعويض ضعف التحكم في القراءة، أو أوجه القصور البيداغوجية، أو الخصاص في المدرسين والموارد التعليمية.

وبالنسبة إلى المغرب، لا يبدو أن الأولوية تكمن في إضافة المزيد من المحتويات أو التكنولوجيا، وإنما في ضمان تمكن كل تلميذ فعليا من مجموعة أساسية من المهارات، وفي مقدمتها القراءة والرياضيات والعلوم، من خلال برامج منسجمة، وتأطير أفضل للمدرسين، ووقت تعلم فعلي كاف، ومؤسسات تتوفر على الحد الأدنى من التجهيزات والوسائل.

 وتزداد دلالة نتائج PISA 2025 حدة لأن التلاميذ المغاربة لا يبدو أنهم فقدوا الرغبة في التعلم؛ بل يؤكدون استعدادهم للتعلم، ووضع أهداف لأنفسهم، وطلب المساعدة عند الحاجة. وهذا ما يجعل النتائج أكثر إثارة للقلق: فالمنظومة التعليمية لا تزال تتوفر على رصيد من الرغبة في التعلم، لكنها لا تنجح في تحويله إلى معارف وكفاءات راسخة.

 ومن دون تدخل يركز منذ السنوات الأولى على القراءة والرياضيات والعلوم، يحذر التقرير من خطر تحول هذا التراجع إلى تعثر طويل الأمد، ستكون كلفته اجتماعية واقتصادية على حد سواء.