تضارب المصالح لدى المسؤولين بالمغرب.. ضربة قاصمة للديموقراطية 

 تضارب المصالح لدى المسؤولين بالمغرب.. ضربة قاصمة للديموقراطية 
آخر ساعة
الأربعاء 27 يوليو 2022 - 10:58

لعل أخطر ما قد يضر بالديمقراطية، بل قد يطيح بها، هو تضارب المصالح لدى المسؤولين، بين مصلحة خاصة يرغبون بها، ومصلحة عامة تفيد المواطنين والوطن ولا تعود عليهم بربح مباشر.

وعندما يحدث هذا، يكون الخطر محدقا، ويصبح تماسك الوطن هشا.

في هذا المقال يستعرض يحي اليحياوي، المحلل السياسي، بعضا من مظاهر هذا التضارب، خصوصا ما يحدث حاليا من حالة، أو حالات، مشابهة.

"السوق وتضارب المصالح"

ترتكز الديموقراطية، من حيث المبدأ ومن زاوية الصيغ الإجرائية التي تعتمدها، على فصل واضح وصريح بين مستوى الدولة والقطاع العام، حيث تتجسد قيم المرفق العام والمصلحة العامة، وبين السوق حيث سمو المصالح الخاصة وقيم المنافسة.

تتحدد المصلحة العامة بناء على هذا التمييز، فيتم تنظيم السوق تبعا لذلك، وتتحدد قواعد اللعبة من بين ظهرانيه، بعيدا عن شطط هذه الجهة أو تجاوزات تلك.

وعلى هذا الأساس، فكلما تقوت الديموقراطية وسادت مبادئ القانون، اتضح بجلاء أكبر الخط الفاصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وكلما تعثرت الديموقراطية أو تم الإخلال بالقانون، تعذر التمييز بين المستويين، فيتداخل الخاص بالعام والمصلحة العامة بالمصلحة الخاصة وتضيع مصالح الناس بجريرة كل ذلك.

ولعل أقوى مؤشرات التفاعل السلبي بين القطاع العام والسوق إنما انتشار مظاهر تضارب المصالح، المحيلة صوبا على حالات التنافي المضرة حتما بالمرفق العام، بالمصلحة العامة وبمبادئ المنافسة بالسوق.

والقصد بتضارب المصالح في هذا الباب، إنما الحالة التي يعمد المؤتمن بموجبها على المصلحة العامة، إلى إعمال سلطته وسلطانه لتثمين مصلحته المباشرة، أو مصلحة عالته أو محيطه أو أصدقائه، أو من له معهم علاقة بهذا الشكل أو ذاك.

تضارب المصالح بهذا المعنى، يطال كل من لديه عهدة لها تماس مباشر بالمصلحة العامة. يطال رئيس الدولة والوزراء ونواب البرلمان، ويطال الإدارة العمومية، بالمركز وبالجهات، ويطال المدير العام كما الموظف البسيط على حد سواء.

ولذلك، فكلما  كانت الديموقراطية هشة والإدارة منتفخة عن آخرها، فإن ثمة حتما تضاربا للمصالح يمكن التثبت منه بمجال الصفقات العمومية مثلا، وإن جزئيا، في بنود دفتر التحملات، فيمن ترسو عليه الصفقة وبأي سعر ينتهي "المزاد".

نحن بالقطع بإزاء استخدام سيء للسلطة من لدن من يتحكمون فيها، لأن الأمر هنا لا يقتصر على استغلال المنصب والنفوذ لإدراك مصلحة خاصة (مالا أو امتيازا أو تحكما في التعيينات)، بل يتعداه عندما يتم استغلال المنصب إياه وتوظيفه في تحريف السوق عن مقاصده، أو التأثير على فاعليه (بالانحياز لطرف دون آخر) أو مصادرة قطاعات كاملة من بين ظهرانيه (في حالة الاحتكار مثلا) أو في إجبار الفاعلين على الاشتغال خارج إطار المنافسة، بتوافقات مضمرة أو بتواطؤات ضمنية أو بحروب مستترة، يستباح فيها سلاح الضرب تحت الحزام.

هذا السلوك كما ذاك، هو انتهاك لمنطق المصلحة العامة وانتهاك لنسقية المنافسة بالسوق أيضا. هو بوجه من الوجوه، إفساد لهما معا ونهج من شأنه أن يعلي مراتب الفساد داخل كل مستوى من المستويين، وفيما بينهما أيضا.

والسبب في ذلك أن الموظف العمومي (أو السياسي المنتخب) يجد نفسه أمام مصالح متناقضة، إحداها عامة والأخرى خاصة، فيقرر خدمة الثانية موظفا في ذلك سلطته أو جاهه أو قربه من "النافذين" بجهاز الدولة أو بالسوق.

ولعل المثال الأوضح في ذلك، هو عندما يسرب كبار الموظفين أو السياسيين معلومات معينة عن مشروع قيد الاعتماد، فيحث بذلك المعنيين من محيطه أو بالسوق، للإسراع في "ترتيب أوراقهم" للحصول عليه عندما يخرج للوجود. وهو حال تصنيف الأراضي لإدراج جزء منها ضمن المحيط الحضري مثلا، أو حالة عزم الدولة رفع الضريبة على سلعة معفاة أو خفضها على سلع خاضعة للتضريب... وهكذا...).

وإذا كان من المتعذر حقا تعيين وحصر حالات تضارب المصالح بحكم اللبس الاصطلاحي الملازم لها، وصعوبة تحديد ما هو عام منها مما هو خاص، فإن ثمة توافقا على أن إحدى مداخل "الحد" من هذه الظاهرة إنما سن أو إعمال بنود القانون.

وهذا صحيح. بيد أن هذا العنصر، وإن كان ضروريا، يبقى غير كاف، ليس فقط لهلامية الظاهرة وتقاطعها مع ظواهر أخرى قريبة منها (من قبيل المحسوبية والزبونية وضغط الأبعاد القبلية أو الطائفية أو الحزبية أو ما سواها)، بل أيضا لأن إعمال القانون لوحده قد يأتي بنتائج قد تكون عكسية، في حالة التلاعب بالقانون نفسه من لدن سياسيين قد يلحق إعمال هذا القانون أو ذاك أضرارا بمصالحهم المباشرة، فيعمدون إلى تغييره على "هواهم".

ولذلك، فمن المفروض الاحتكام إلى البعد الأخلاقي لضمان تصريف بنود القانون ذاته. صحيح أن الموظف العمومي مثلا أو البرلماني، يعيش ضمن المجتمع الذي ينتمي إليه، إلا أنه قد لا يدرك خطورة تضارب المصالح الذي قد يكون هو نفسه مصدره أو أداته. بالتالي، وجب التشديد على التكوين وعلى التدريب، وكذا تحفيز الموظف إياه بما يضمن حياده أو يحول دون سقوطه في الإغراءات المرتبطة بموقعه.

إن مخاطر تضارب المصالح لا تنحصر في وظيفة هذا الموظف العمومي أو ذاك. إنها تتجاوز ذلك وتنتشر أكثر في حالة انتقال الموظف إياه للعمل بالقطاع الخاص، أي بالسوق.

إنه ينقل معه، لا سيما إذا كان موظفا ساميا، معطيات دقيقة قد يعمل على تسريبها لفائدة مستخدميه الجدد. ثم إن الموظف إياه وقد بات من بين ظهراني السوق، غالبا ما يكون ملما بالقوانين والإجراءات العمومية، فيوظفها بذكاء للتحايل على القانون وتوظيفه لمصلحة مستخدميه.

"الموظف/الخاص" هنا لا يملك المعلومة ويملك مفاتيح القوانين والإجراءات فسحب، بل غالبا ما يترك خلفه شبكة من العلاقات لا يتوانى في امتطاء ناصيتها لمصلحة مستخدميه، وقد بات "مستخدما ساميا" لديهم.

في الحالات مجتمعة، يبدو أنه لا ينفع إعمال القانون أو الاحتكام إلى الأخلاق. يجب إعمالهما معا، مع استحضار مسلمة أنه لا يمكن الإنهاء مع ظاهرة تضارب المصالح، بالإمكان الحد منها فقط.

لو تأملنا ما يجري بالمغرب، بالأشهر الأخيرة تحديدا، سنلاحظ أننا بإزاء حالات من تضارب المصالح واضحة، جلية ولا غبار عليها. سيطول استحضار النماذج في ذلك، يكفي فقط أن نذكر بأن رئيس الحكومة نفسه هو من كبار رجال الأعمال...يرأس الجهاز التنفيذي للدولة، لكنه يحتكم على شركات كبرى في السوق...تبدأ بالمواد الغذائية والمحروقات، وتنتهي بالتجارة عن طريق المنصات الرقمية...دع عنك "تجارة الهواء"...

أنقر هنا لقراءة المقال من مصدره.

عبّر عن رأيك

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي آخر ساعة