يسجل قطاع البناء في إسبانيا انتعاشًا ملحوظًا على مستوى التشغيل، غير أن هذا النمو يصطدم بإشكال بنيوي يتمثل في الخصاص الكبير في اليد العاملة.
فبحلول نهاية دجنبر الماضي، بلغ عدد العاملين المسجلين في القطاع نحو 1.47 مليون شخص، أي بزيادة تناهز 57 ألف عامل مقارنة بنهاية عام 2024، ما يجعله من بين القطاعات الأكثر دينامية في خلق فرص الشغل، رغم بقائه دون مستويات فترة الطفرة العقارية التي عرفتها البلاد قبل أكثر من عقد.
وأظهر القطاع، خلال سنة 2025، تسارعًا في وتيرة التوظيف، مع توقعات بنمو فرص العمل بنسبة 4%، مقابل 2.2% في السنة السابقة، بعدما استوعب حوالي 30 ألف عامل جديد، غير أن هذا الأداء الإيجابي يتزامن مع تحديات متزايدة، أبرزها نقص العمال المؤهلين، وارتفاع متوسط أعمار العاملين، وضعف التكوين المهني.
ورغم أن عمال البناء يمثلون حاليًا نحو 6.7% من مجموع القوى العاملة في إسبانيا، فإن هذه النسبة كانت تفوق 13% سنة 2007، حين كان عدد العاملين في القطاع يناهز 2.4 مليون شخص.
وفي المقابل، تراجعت البطالة داخل القطاع بشكل لافت، حيث انخفض عدد العاطلين بنحو 20 ألف شخص خلال سنة واحدة، أي بنسبة تفوق 10%، ليصل العدد الإجمالي إلى حوالي 178 ألف عاطل، وهو أدنى مستوى يُسجل منذ عشر سنوات.
وأكدت مؤسسة “فونكاس” أن قطاع البناء كان من أبرز القطاعات المساهمة في خلق فرص الشغل خلال 2025، مشيرة إلى تحسن نسبي في سوق العمل الصناعي بشكل عام. وبموازاة ذلك، ارتفع عدد المشتركين في الضمان الاجتماعي على الصعيد الوطني بأزيد من 500 ألف عامل، ليبلغ المجموع 21.8 مليون مشترك، بنمو سنوي قدره 2.4%.
من جهته، أشار مرصد مؤسسة عمال البناء إلى أن أغلب العقود المبرمة في القطاع تخص عمال الورشات، والأشغال العامة، وفنيي الكهرباء، في وقت يزداد فيه الخصاص في قطاع البناء السكني، إلى جانب استمرار ظاهرة شيخوخة اليد العاملة.
وفي هذا السياق، أوضح بنك “BBVA” أن نقص العمالة أصبح العائق الأكبر أمام نشاط البناء، مبرزًا أن عدد الوظائف الشاغرة تضاعف أربع مرات خلال السنوات الثماني الأخيرة.
ويرى البنك أن الهجرة تشكل أحد الحلول الأساسية للتخفيف من حدة هذا الخصاص.
وأبرز تقرير للبنك ذاته أن الفترة ما بين 2022 و2024 شهدت ارتفاعًا في عدد العمال الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و44 عامًا داخل القطاع، مدفوعًا بزيادة ملحوظة في عدد العمال الأجانب بنسبة 19%، وهو ما ساهم في إنعاش النشاط.
وخلال السنة الماضية، بلغ عدد العمال الأجانب المسجلين في قطاع البناء حوالي 316 ألف عامل، يمثلون أكثر من 23% من إجمالي اليد العاملة، موزعين بين نظام الضمان الاجتماعي العام والعمل الحر.
وتشير المعطيات إلى استمرار هذا المنحى التصاعدي، سواء في صفوف الأجراء أو العاملين لحسابهم الخاص.
وتؤكد مصادر حكومية أن قطاع البناء في إسبانيا يواجه خصاصًا يناهز 700 ألف عامل، وهو نقص يوصف بالهيكلي، خاصة في صفوف التقنيين المتخصصين وعمال الورشات، في ظل الطلب المتزايد على مشاريع السكن والبنيات التحتية الممولة من الصناديق الأوروبية.
