منذ انتخابات 2021، عاش الحزب واحدة من أصعب مراحله السياسية، فقد انتقل من قيادة الحكومة لولايتين متتاليتين إلى موقع متأخر في المشهد البرلماني، قبل أن يبدأ تدريجيا في محاولة استعادة حضوره السياسي والتنظيمي.
اليوم، يبدو أن رهان العدالة والتنمية لم يعد فقط على تجاوز صدمة 2021، وإنما على إثبات أن تلك النتيجة كانت مرحلة عابرة وليست نهاية مسار سياسي امتد لسنوات.
لكن الانتخابات المقبلة قد تفتح أمام الحزب أكثر من طريق...
والفوز الانتخابي شيء، وتحويله إلى قوة سياسية قادرة على تشكيل الحكومة شيء آخر تماما...
وعلى ما يبدو أننا أمام 3 سيناريوهات تبدو ممكنة التحقق، مع اختلاف قوة الاحتمال من سيناريو إلى آخر:
السيناريو الأول يتمثل في أن يتمكن العدالة والتنمية من تصدر النتائج، أو على الأقل الحصول على موقع متقدم يسمح له بقيادة المشاورات الحكومية.
وفي هذه الحالة، سيجد الحزب نفسه أمام اختبار حقيقي لقدرته على الانتقال من خطاب المعارضة إلى منطق التفاوض وبناء الأغلبية.
فهل يستطيع "البيجيدي" أن يجمع حوله أحزابا كافية لتشكيل حكومة جديدة؟
الجميع يعلم أن الحسابات الانتخابية ليست دائما هي نفسها الحسابات الحكومية، وقد يجد الحزب نفسه مضطرا إلى التفاوض مع قوى سياسية كانت إلى جانبه في مرحلة، أو في مواجهته في مرحلة أخرى.
وقد تكون المفاجأة الأكبر في شكل التحالفات أكثر منها في نتائج الانتخابات نفسها !
أما السيناريو الثاني، فيفترض أن يحقق العدالة والتنمية نتيجة قوية، لكنه لا يصل إلى الأغلبية ولا يتمكن من بناء تحالف مريح يسمح له بقيادة الحكومة.
وهنا ستصبح نتيجة الحزب مهمة، لكن غير حاسمة...
فقد يحصل على عدد كبير من المقاعد، ويثبت أنه عاد بقوة إلى البرلمان، لكنه يجد نفسه خارج دائرة رئاسة الحكومة إذا تمكنت أحزاب أخرى من تشكيل أغلبية فيما بينها.
وهنا، ستبدأ معركة سياسية تطرح سؤالا من نوع آخر:
هل يختار "البيجيدي" المشاركة في ترتيبات حكومية جديدة، أم يفضل البقاء في المعارضة واستثمار قوته البرلمانية في مراقبة الحكومة ومهاجمة سياساتها؟
ثم هناك السيناريو الثالث، وربما يكون الأكثر دلالة على مستقبل الحزب على المدى المتوسط:
ألا يتصدر العدالة والتنمية الانتخابات، لكنه يحقق قفزة كبيرة مقارنة بنتيجة 2021...
مثل هذه النتيجة قد تكون في حد ذاتها انتصارا سياسيا للحزب، لأنها ستعني أن "البيجيدي" تمكن من استعادة جزء مهم من قاعدته الانتخابية، وأنه لم يعد ذلك الحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بأضعف حصيلة في تاريخه البرلماني.
وقد يتحول في هذه الحالة إلى رقم صعب داخل البرلمان، حتى من دون أن يكون صاحب المرتبة الأولى.
وهنا تصبح قيمة الحزب مرتبطة بقدرته على التأثير في موازين القوى، وعلى جعل مشاركته أو موقفه عاملا مؤثرا في أي ترتيبات سياسية لاحقة.
فهل يمكن أن يصبح البيجيدي "حصاناً أسودَ" حقيقياً في مفاوضات تشكيل الأغلبية؟
هذا الاحتمال سيعيد أيضا فتح النقاش حول التحالفات، لأن الحزب الذي قد لا يكون قادرا على تشكيل الحكومة بمفرده يمكن أن يكون قادرا على تغيير شكل الحكومة إذا كانت أصواته ضرورية لتحقيق الأغلبية.
واللافت أن السيناريوهات الثلاثة، رغم اختلافها، تقود إلى اكتشاف السؤال الأهم وهو: هل انتهت فعلا مرحلة العدالة والتنمية كقوة حكومية، أم أن انتخابات 2026 قد تكون بداية عودته التدريجية إلى مركز المشهد؟
وبالتالي الحصول على الجواب الأكثر أهمية وهو أن الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي لإعلان النتائج، عندما تتحول الأرقام إلى مفاوضات، والمقاعد إلى تحالفات، والوعود الانتخابية إلى حسابات سياسية.
وقد يكون "البيجيدي" مطالبا هذه المرة بأن يثبت ليس فقط أنه قادر على العودة، وإنما أنه تعلم من تجربة الحكم السابقة ومن صدمة 2021.
حينها ستتناسل الأسئلة التالية ولاشك:
من يستطيع أن يحول موقعه الانتخابي إلى نفوذ سياسي؟
ومن يملك القدرة على بناء التحالفات؟
ومن سيكون قادرا على فرض شروطه عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة؟
لأن الانتخابات قد تمنح "البيجيدي" مقاعد أكثر...
لكن السياسة وحدها هي التي ستحدد ما إذا كانت تلك المقاعد ستعيده إلى الحكومة، أم ستضعه في موقع المعارضة القوية، أم ستجعله رقما صعبا لا يمكن لأي أغلبية مقبلة تجاهله.
