قد يبدو السؤال صادما، بل وربما مستفزا لقواعد حزب العدالة والتنمية: هل يمكن أن يجلس عبد الإله بنكيران، بعد كل ما قاله عن حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب قياداته حول طاولة حكومة واحدة؟
الجواب، في السياسة، وفي عالم بنكيران خصوصا، لا يكون دائما "نعم" أو "لا"... والسؤال نفسه لم يأتِ من فراغ، فالرجل سبق له أن قال في أشخاص ما لم يقله مالك في الخمر، ثم اتضح له، في الغد، أمر !
كل المؤشرات، على الأقل في هذه المرحلة، توحي بأن حزب الأصالة والمعاصرة يمضي بخطى ثابتة نحو المنافسة على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية المقبلة.
الحزب الذي لم يسبق له أن قاد الحكومة، كان في الانتخابات السابقة قاب قوسين أو أدنى من احتلال الصدارة، قبل أن تذهب المرتبة الأولى إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.
لكن هل يستطيع "البام" هذه المرة تحويل طموحه إلى تصدر فعلي للانتخابات؟
المعادلة تبدو مختلفة هذه المرة، فحزب التجمع الوطني للأحرار يدخل الاستحقاق المقبل وهو يحمل على ظهره حصيلة حكومة لم تكن دائما في مستوى الوعود التي رافقت وصوله إلى السلطة: ارتفاع الأسعار، تعثر عدد من الوعود الاجتماعية، أزمة أضحية العيد، الانتقادات المرتبطة بتضارب المصالح، فضلا عن ضعف التواصل الحكومي وغياب رئيس الحكومة في عدد من اللحظات السياسية، كلها عوامل قد تجعل مهمة الحزب في الحفاظ على موقعه أكثر صعوبة...
وربما لهذا السبب خرج رشيد الطالبي العلمي من صمته في مواجهة "البام"، منتقدا ما اعتبره استقطابا سياسيا ومحاولات لاستمالة مرشحين. غير أن المفارقة أن جزءا من القيادات التي تدافع اليوم عن "الأحرار" يعرف جيدا أن رئيس التجمعيين الحالي محمد شوكي نفسه كان إلى عهد قريب من أبرز قيادات حزب الأصالة والمعاصرة...
فهل يتعلق الأمر فعلا بصراع حول المبادئ، أم أن حرارة الانتخابات بدأت ترتفع قبل موعدها؟
في المقابل، يبدو أن فوزي لقجع، بانضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة، لا يعني بالضرورة أنه يستعد لرئاسة الحكومة.
الرجل توجد أمامه ملفات ومهام لا تقل أهمية عن رئاسة الحكومة نفسها، وعلى رأسها أوراش مرتبطة بمشاريع "مغرب 2030" والتحضير لكأس العالم.
وجود لقجع إلى جانب "البام" قد يكون، قبل كل شيء، ورقة انتخابية وسياسية قوية تساعد الحزب على المنافسة، وليس بالضرورة إعلاناً عن مرشح للحكومة المقبلة...
وهنا تبرز دلالة تصريحات فاطمة الزهراء المنصوري، عندما علقت على تسريبات الطالبي العلمي بالقول إنها لن تكون معنية بأي تحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار إذا تصدر الانتخابات.
ماذا كانت تقصد المنصوري تحديدا؟
ربما كانت الرسالة أبعد من مجرد موقف ظرفي. فالمنصوري تبدو طامحة إلى رئاسة الحكومة، وإذا لم يحقق "البام" المرتبة الأولى، فقد تصبح حساباتها السياسية مختلفة تماما. وربما يكون ذلك أحد مفاتيح فهم الصراع المبكر بين مكونات الأغلبية الحالية...
وفي الجهة الأخرى، هناك عبد الإله بنكيران !
بنكيران اليوم هو أحد السياسيين القلائل الذين يخوضون حملة انتخابية قبل بدايتها الرسمية بخطاب سياسي متماسك إلى حد ما. يجوب المدن والقرى، يخاطب القواعد مباشرة، يستعيد اللغة السياسية التي افتقدها "البيجيدي" خلال السنوات الماضية، ويقدم نفسه باعتباره الرجل الذي يريد إعادة الحزب إلى ما قبل مرحلة التراجع.
وبإمكانات محدودة، وخطاب مباشر، ولسان سياسي لا يخشى الصدام، وجرعة كبيرة من السخرية والقهقهات، استطاع بنكيران أن يعيد شيئا من الحماس إلى قواعد حزبه...
لكن هل يكفي الحماس لاستعادة المرتبة التي فقدها الحزب؟
بنكيران نفسه يعرف أن جزءا من الناخبين الذين قاطعوا الانتخابات السابقة يمكن أن يعودوا إلى صناديق الاقتراع، وهو يراهن على استعادة قواعد غاضبة أو محبطة، خصوصا بعد ملفات أثرت في صورة الحزب، من تدبير ملف القنب الهندي إلى موقفه من التطبيع، مرورا بالخلافات التي عرفها الحزب بعد مغادرته رئاسة الحكومة.
إنه يخوض معركة سياسية واضحة: إثبات أن المشكلة لم تكن في مشروع العدالة والتنمية، بل في القيادة التي جاءت بعده...
وإذا نجح بنكيران في تحقيق نتيجة قوية، فقد يجد نفسه أمام سؤال أكبر بكثير من سؤال عدد المقاعد: مع من سيحكم؟
هنا تصبح السياسة أكثر تعقيدا.
فبنكيران الذي جعل من "البام" لسنوات خصما سياسيا، بل ووصفه بأوصاف قاسية، ليس معروفا عنه أنه يتردد كثيرا في تغيير مواقفه عندما تتغير الظروف، أو في إيجاد مبررات سياسية للتراجع عن موقف سابق.
فهل يمكن أن يصبح "البام" غريما انتخابيا اليوم وشريكا حكوميا غدا؟
نظريا، كل شيء ممكن...
والأمر لا يتعلق فقط بما يريده بنكيران، وإنما بما ستفرزه صناديق الاقتراع...
فإذا تصدر "البام"، و جاء "البيجيدي" في مرتبة متقدمة، فقد يجد الحزبان نفسيهما أمام واقع سياسي جديد: إما تحالفات غير متوقعة.
قد يبدو تحالف "البام" والعدالة والتنمية اليوم ضربا من الخيال، لكن السياسة المغربية عرفت في السابق تحالفات كان من الصعب تصورها قبل الانتخابات...
والأهم أن بنكيران قد لا يكون بالضرورة مطالبا برئاسة الحكومة حتى يحقق ما يعتبره انتصارا...
بالنسبة إليه، العودة بقوة إلى المشهد، وإثبات أن "البيجيدي" قادر على استعادة موقعه، قد يكونان هدفا في حد ذاتهما.
وقد يكون السيناريو الأكثر إثارة هو أن يحصل "البيجيدي" و"البام" على نتائج قوية، بينما تتراجع أحزاب أخرى كانت إلى وقت قريب تمسك بمفاتيح الأغلبية.
ماذا، إذن، لو وجد الغريمان نفسيهما أمام ضرورة تشكيل حكومة مشتركة؟
عندها ستصبح كل التصريحات السابقة مادة للأرشيف، وستبدأ لغة جديدة عنوانها "المصلحة الوطنية" و"المرحلة السياسية" و"ضرورة تجاوز الخلافات"...
وهذا تحديدا ما يجعل الانتخابات المقبلة مختلفة.
فالمغاربة لا يذهبون فقط لاختيار حزب، وإنما قد يقررون، من خلال أصواتهم، شكل الخريطة التي ستفرض على الأحزاب التحالف أو المواجهة.
أما بنكيران، فيبدو أنه يريد أولا استعادة شيء فقده "البيجيدي" منذ سنوات: القدرة على صناعة الحدث السياسي.
وقد ينجح...
وقد يفشل...
لكن المؤكد أن الرجل دخل السباق مبكرا، وأن رهانه هذه المرة ليس فقط على العودة إلى الحكومة، بل على إعادة ترتيب المشهد السياسي كله.
ومن يدري؟ ربما تحمل نتائج 23 شتنبر مفاجآت تجعل السؤال الذي يبدو اليوم غريبا، غدا، أمرا طبيعيا:
هل يتحالف بنكيران مع "البام"؟
