موسم الدموع الانتخابية يعود.. حين يصبح البكاء سلاحاً لاستمالة الناخب

 موسم الدموع الانتخابية يعود.. حين يصبح البكاء سلاحاً لاستمالة الناخب
آخر ساعة
الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 12:28

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود إلى المشهد السياسي المغربي طقس يكاد يتحول إلى مشهد ثابت: السياسي الذي تفيض عيناه بالدموع، ويعلو صوته بالتأثر، خلال استحضار معاناة المواطنين أوتضحيات حزبه أو أعضائه أو أي سبب آخر، في مشهد يثير سؤالاً مشروعاً: أين تنتهي المشاعر الإنسانية الطبيعية، وأين يبدأ توظيفها انتخابياً؟

لا يتعلق الأمر بالضرورة، ها هنا، بالتشكيك في صدق دموع أي سياسي بعينه، فالتأثر أمام الجمهور يمكن أن يكون حقيقياً تماماً. لكن تكرار الظاهرة قبيل الانتخابات، وتزامنها في أحيان كثيرة مع إطلاق الحملات والتجمعات الحزبية، يجعلها جديرة بالقراءة من زاوية الاتصال السياسي وعلم النفس الاجتماعي

. ويشير متخصصون في التواصل السياسي إلى أن التعبير العاطفي أمام الجمهور يمكن أن يكون وسيلة فعالة لبناء صورة أكثر قرباً وإنسانية للسياسي، خصوصاً عندما يكون الخطاب موجهاً إلى ناخبين تربطهم بالفاعل السياسي علاقة وجدانية أو شخصية.

وفي السياسة خصوصا، للأسف، لا تعمل العاطفة بمعزل عن العقل،  فالناخب لا يتخذ قراراته دائماً بناء على البرامج والأرقام وحدها، بل يتأثر أيضاً بالصورة التي يكونها عن المرشح، وبمدى شعوره بأنه قريب منه ويفهم مشاكله.

ولهذا السبب، يرى خبراء في علم النفس السياسي أن إظهار الضعف أو التأثر قد يعزز أحياناً صورة السياسي "الإنساني"، ويجعله يبدو أقل بعداً وأكثر شبهاً بالناخب العادي، لكن التأثير نفسه، بالمقابل، قد ينقلب إلى نتيجة عكسية عندما يبدو الانفعال مصطنعاً أو متكرراً أو مرتبطاً حصراً بالمواسم الانتخابية.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة المغربية، فالمواطن الذي يشاهد السياسي متأثراً أمام الكاميرات، قد يتساءل لماذا لا يظهر هذا التأثر بالحدة نفسها عندما تناقش قضايا الصحة والتعليم والبطالة وغلاء المعيشة، أو عندما تكون هناك حاجة إلى تقديم حصيلة دقيقة لما تحقق من وعود سابقة... إنه يبكي "لأنه يريد ذلك"، وليس لأن العفوية أخذته كل مأخذ.

ويفسر متخصصون في الاتصال السياسي انتشار الخطاب العاطفي خلال الحملات الانتخابية بكونه أقل كلفة من الدفاع عن حصيلة قابلة للقياس.

فالحديث عن التضحية والوفاء والمعاناة الشخصية لا يحتاج إلى جداول وأرقام، بينما يتطلب الدفاع عن الأداء تقديم نتائج يمكن للناخب التحقق منها ومقارنتها بما كان معلناً سابقاً. وقد تكون الدموع أفضل وسيلة للهروب من نقاش سؤال "ماذا أنجزت؟".

ويذهب متخصصون في علم النفس الاجتماعي إلى أن الأحداث والمشاهد العاطفية تكون أكثر قابلية للبقاء في الذاكرة من بعض المعلومات المجردة، خصوصاً عندما تقدم في لحظة مشحونة وجدانياً، ولذلك يمكن لخطاب مؤثر أو دمعة أمام الجمهور – للأسف -  أن تترك أثراً أكبر من سلسلة طويلة من الأرقام والوعود، ولو أن هذا الأثر لا يعني بالضرورة اقتناعاً سياسياً مستداماً.

لكن، لا بد هنا من التنبيه إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت قواعد اللعبة بشكل كبير... فالدمعة التي كانت تنتهي بانتهاء التجمع الانتخابي يمكن اليوم أن تتحول إلى مقطع قصير ينتشر على نطاق واسع، ويعاد تركيبه والتعليق عليه والسخرية منه.

وبناءً عليه، فقد فقد السياسي جزءاً من قدرته على التحكم في السياق الذي يظهر فيه، وأصبح الجمهور قادراً على وضع اللحظة العاطفية إلى جانب تصريحات أو مواقف سابقة ومساءلة صاحبها عن الفارق بين الكلام والممارسة.

وما هو مؤكد، أخيراً، أن الناخب يحتاج إلى من يقنعه بما فعله، وما أخفق فيه، وما ينوي القيام به لاحقاً. أما الدموع، مهما كانت صادقة، فهي في نهاية المطاف لحظة عابرة، بينما آثار القرارات السياسية قد تمتد لسنوات.

ولعل الاختبار الحقيقي لأي سياسي مع اقتراب موعد الاقتراع لا ينبغي أن يكون: "هل بكى، وكم ذرف من الدموع؟"، بل: "ماذا فعل منذ آخر مرة طلب فيها أصواتنا؟".