لا يمكن أن نقيسَ تظاهرة ثقافية كبرى، كالمعرض الدولي للنشر والكتاب، بعدد الزوار أو الصور الرسمية أو الندوات المبرمجة فقط، بل كذلك بجودة المشاركة، وتنوع العارضين، وثقل الأسماء الحاضرة في صناعة الكتاب.
ومن هذا المنطلق، يُطرحُ سؤال مشروع هذه السنة: هل نعيش أضعف نسخة من معرض الرباط الدولي للكتاب من حيث الحضور المهني والنشري؟
السؤال لا يتعلق بقيمة المعرض كموعد ثقافي وطني مهم، ولا بمكانة الرباط كعاصمة ثقافية، بل يرتبط أساسًا بتركيبة المشاركين، وبالفراغات الواضحة في خريطة دور النشر العربية والدولية الحاضرة.
فعند التمعن في لائحة العارضين، تظهر ملاحظات يصعب تجاهلها...
ففي جناح المملكة العربية السعودية، مثلا، يغيب عدد من أبرز الفاعلين في سوق النشر والتوزيع، سواء من المؤسسات الخاصة أو الأسماء التجارية الكبرى المعروفة لدى القارئ العربي، مثل مكتبة جرير ومكتبة العبيكان وغيرها من الفاعلين المؤثرين، وهو غياب يطرح تساؤلات حول مستوى التنسيق الثقافي، أو جاذبية المعرض بالنسبة للناشرين الخليجيين الكبار.
وفي ما يخص الكويت، يبدو الغياب أكثر وضوحًا، خاصة مع عدم حضور مشروع عالم المعرفة، أحد أهم المشاريع الثقافية العربية التي شكلت لعقود مرجعًا أساسيًا للقارئ العربي، إلى جانب مؤسسات ثقافية كويتية أخرى ذات وزن معتبر.
المفارقة الأكبر ربما تتجلى في كون فرنسا ضيف شرف هذه الدورة، ومع ذلك تبدو المشاركة الفرنسية محدودة على مستوى دور النشر، حيث يبرز أساسًا فضاء ضيف الشرف، إلى جانب حضور دار نشر واحدة مرتبطة باسم أنطوان دو سانت إكزوبيري.
وحين تكون دولة بحجم فرنسا ضيف شرف، ينتظر المتابع حضور أسماء نشر كبرى، ومشهد مهني غني يعكس دينامية سوق الكتاب الفرنسي، لا مشاركة رمزية أقرب إلى التمثيل المؤسساتي منها إلى الحضور الثقافي الحقيقي.
بالنسبة للباقين نلحظ مشاركة موريتانيا بدار نشر واحدة، والبرتغال وإسبانيا وقطر وفلسطين كذلك.
هذا النمط من التمثيل المحدود يجعل البعد الدولي للمعرض أقل وهجًا، ويحوّل بعض المشاركات إلى مجرد حضور شكلي أكثر منه مشاركة فعلية في صناعة محتوى المعرض.
كما يلاحظ غياب أسماء بارزة من دور النشر اللبنانية والمصرية والعراقية، وهي بلدان لطالما شكلت العمود الفقري للكتاب العربي، سواء من حيث الترجمة أو الفكر أو الأدب أو النشر الجامعي.
قد يقول البعض إن المعرض ليس سوقًا للكتب فقط، بل فضاء للنقاش والندوات واللقاءات الفكرية، وهذا صحيح... لكن معرض الكتاب أيضًا صناعة ثقافية واقتصاد معرفي، وموعد مهني يجمع الناشرين والمترجمين والوكلاء والقراء، وعندما يضعف هذا الجانب، يفقد المعرض جزءًا أساسيًا من روحه ووظيفته.
القارئ المغربي اليوم أكثر اطلاعًا، وأكثر قدرة على المقارنة مع معارض عربية أخرى، مثل الدار البيضاء سابقًا، والشارقة، والرياض، والقاهرة، وأبوظبي. وهو ينتظر من معرض الرباط أن يكون نافذة حقيقية على النشر العالمي، لا مجرد حدث محلي بواجهة دولية محدودة.
وإذا سلّمنا أن هذه النسخة بالفعل من أضعف الدورات من حيث الحضور النشري، فالأمر لا ينبغي أن يُقرأ كفشل، بل كإشارة تستدعي المراجعة.
كيف يتم اختيار الضيوف؟ كيف تُستقطب دور النشر الكبرى؟ ما الحوافز المقدمة؟ وما موقع المعرض في أجندة الناشرين العرب والدوليين؟
أخيرا، بقيَ أن نقول أن نجاح أي معرض كتاب لا يقاس فقط بعدد الممرات المزدحمة، بل بمن حضر، ومن غاب، وما الذي عاد به القارئ من معرفة وأسئلة واكتشافات.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلق الأمر فعلًا بأضعف نسخة من معرض الرباط الدولي للكتاب، أم أن الأمر مجرد مرحلة عابرة تحتاج إلى تصحيح سريع في الدورات القادمة؟
