من حق أي منتخب أو اتحاد كروي أن ينتقد ظروف الاستقبال أو التنظيم إذا رأى أن هناك ما يستدعي ذلك... كما أن النقد، حين يكون موضوعياً ومبنياً على الوقائع، يظل جزءاً طبيعياً من الحياة الرياضية، لكن ما يثير الاستغراب هو عندما يصبح النقد انتقائياً، وتُقاس الوقائع بمعايير مختلفة حسب البلد الذي تقع فيه.
هذا بالضبط ما يدفع كثيراً من المتابعين المغاربة اليوم إلى إعادة طرح الأسئلة حول المواقف التي صدرت عن الاتحاد السنغالي وبعض مرافقي منتخب "أسود التيرانغا" خلال كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب.
فخلال تلك البطولة، تحولت تفاصيل عديدة إلى مادة للجدل، فانتُقد الجانب الأمني بعد تجمع مشجعين حول لاعبي المنتخب السنغالي عقب صلاة الجمعة (رغم أن مصادر إعلامية أشارت لاحقاً إلى أن الطاقم التقني السنغالي هو من أعلن مسبقاً مكان الصلاة وتوقيتها، ما جعل المئات من الجماهير تتوجه إلى الموقع)، ورغم ذلك، وُجه اللوم مباشرة إلى المنظمين المغاربة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تابع الجمهور المغربي سلسلة من الانتقادات التي طالت جوانب مختلفة من التنظيم، حتى أن بعض ردود الفعل بدت للكثيرين مبالغاً فيها.
ووصل التوتر في المباراة النهائية مداه، في واقعة مغادرة لاعبين وأفراد من الطاقم التقني السنغالي محيط الملعب احتجاجاً على قرار تحكيمي منح ضربة جزاء للمنتخب المغربي، في مشهد اعتبره عدد من المتابعين خروجاً عن الروح الرياضية أكثر منه اعتراضاً عادياً على قرار تحكيمي.
في المقابل، عندما انتشرت أخيراً صور ومقاطع فيديو تظهر لاعبي المنتخب السنغالي وهم يخضعون لإجراءات تفتيش أمني مباشرة على مدرج أحد المطارات الأمريكية، اختفى ذلك الخطاب الغاضب تماماً، وبدا أن القط قد التهم ألسنة كثيرين.
ورغم أن الاتحاد السنغالي سارع إلى إصدار بلاغ يبرر ما حدث ويؤكد أن الأمر يدخل ضمن الإجراءات العادية، فإن كثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي رأوا في المشاهد المتداولة ما هو أبعد من مجرد إجراء روتيني.
والأمر نفسه ينطبق على استقبال الجماهير، ففي الولايات المتحدة، تجمهر مشجعون حول بعثة المنتخب السنغالي بمجرد نزولها من الحافلة، واقتربوا من اللاعبين بصورة لافتة، لكن هذه المرة لم نسمع حديثاً عن "تهديد أمني" أو "تقصير تنظيمي" أو "خطر على سلامة اللاعبين"، وهي العبارات التي استُخدمت بكثافة خلال كأس إفريقيا بالمغرب.
ما يثير انتباه المتابع المغربي ليس ما وقع في الولايات المتحدة، بل ردود الفعل المختلفة والمتناقضة تجاه الوقائع المتشابهة.
ففي المغرب، حظي المنتخب السنغالي باستقبال استثنائي شهد له الجميع، من استقبال رسمي وشعبي إلى مبادرات رمزية مثل التمر والحليب وكرم الضيافة الذي أصبح جزءاً من صورة المملكة في التظاهرات الدولية. ومع ذلك، طغى خطاب نقدي حاد من بعض الأطراف السنغالية، وصل في نظر عدد من المعلقين والصحافيين إلى حدود المبالغة، بل وترويج معطيات ثبت لاحقاً أنها غير دقيقة.
أما اليوم، فقد تغيرت اللهجة بالكامل... اختفت الانتقادات الحادة، وحل محلها خطاب دبلوماسي هادئ يؤكد أن كل شيء جرى في أفضل الظروف وأن الأمور "على ما يرام".
لهذا، لا يتعلق النقاش هنا بالمغرب أو الولايات المتحدة بقدر ما يتعلق بمبدأ بسيط: الإنصاف !
فإما أن تكون المعايير واحدة للجميع، أو أن نعترف بأن بعض الانتقادات لم تكن مرتبطة بالوقائع نفسها، بل بتحيّز مسبق ضد البلد الذي وقعت فيه.
لقد تعلم المغاربة خلال السنوات الأخيرة أن أفضل رد على الحملات والانتقادات ليس الدخول في سجالات لا تنتهي، بل ترك الوقائع تتحدث... وهاهي الوقائع اليوم تقول شيئاً واضحاً: ما اعتُبر أزمة في المغرب، أصبح تفصيلاً عادياً في مكان آخر.
وربما لهذا السبب تحديداً، وجد كثير من المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي أنفسهم يطرحون السؤال نفسه: إذا كان ما حدث في الولايات المتحدة عادياً ولا يستدعي كل ذلك الغضب، فلماذا كان المغرب استثناءً؟
