عندما تُدار السياسة كصفقة بدل خدمة المواطن... قراءة في تسريب الطالبي العلمي

 عندما تُدار السياسة كصفقة بدل خدمة المواطن... قراءة في تسريب الطالبي العلمي
آخر ساعة
الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 13:29

في السياسة، هناك فرق كبير بين ما يقال أمام الكاميرات وما يقال خلف الأبواب المغلقة... وقد يكون هذا طبيعيا إلى حدّ ما.

فالقاعدة تقول أنه: ما كلّ شيء يقال !

لكن، أحيانا، تكفي جملة واحدة مسرّبة لكي تقول ما تعجز مئات الخطب عن قوله، وكي تقلب الموازين وتغيّر نظرة الكثيرين.

التسجيل الصوتي المنسوب إلى قيادي حزب التجمع الوطني للأحرار، رشيد الطالبي العلمي، والذي ظهر قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية والجماعية، لا يكتسب أهميته فقط من الشخص الذي يتحدث فيه، ولا من مضمون النقاش الذي أثاره، وإنما من الطريقة التي أعاد بها طرح سؤال قديم ومحرج في الحياة السياسية المغربية:

 كيف تُتخذ القرارات داخل الأحزاب فعلا؟ وهل للمواطن نصيب حقّاً مما يريد الأحزاب تحقيقه أم أن الأمر – دائما وأبداً – عبارة عن مصالح شخصية أو حزبية ضيقة لا أقل ولا أكثر؟

أكثر ما يستوقف في مضمون التسريب، بعيدا عن الجدل حول ظروف تسجيله أو تسريبه، هو اللغة التي نُسبت إلى الطالبي العلمي في الحديث عن تولي فوزي لقجع حقيبة المالية.

فالوزارة، في هذا الخطاب، لا تبدو وكأنها موقع مسؤولية عمومية يُسند إلى من تتوافر فيه شروط الكفاءة السياسية والتدبيرية، وإنما تبدو أقرب إلى حيز نفوذ له "صاحب" و"حق"، و"مانح" و"ممنوح".

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

لأن الفرق بين المنصب العمومي والملكية الخاصة ليس مجرد فرق في المصطلحات.

فالمنصب العمومي ليس غنيمة حزبية، ولا وزارة المالية، أو غيرها، أو أي حقيبة أخرى، ملكا لحزب أو لشخص أو لتيار سياسي.

هي مؤسسات ومسؤوليات يفترض أن تخضع لمنطق المصلحة العامة والكفاءة والمحاسبة.

لكن ماذا يحدث عندما تبدأ اللغة السياسية في التعامل مع المناصب وكأنها حصص موزعة بين أصحاب النفوذ؟

هنا يصبح التسريب أكبر من مجرد كلام قيل في اجتماع مغلق.

المشكلة أن الرأي العام لم يعد يتعامل مع التسريبات كما كان يفعل في الماضي.

اليوم، جملة مقتطعة من تسجيل صوتي يمكن أن تعيش سنوات، وأن تتحول إلى مادة تتداولها الأجيال السياسية الجديدة، وأن تصبح جزءا من الصورة التي يحملها المواطن عن مؤسساته.

هنا ينتقل النقاش من الطالبي العلمي إلى ما هو أهم: المواطن.

فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد يوم يضع فيه الناخب ورقة في صندوق.

إنها وعد بأن الصوت الفردي يمكن أن يغيّر اتجاه السلطة، وأن الاختيار الشعبي يمكن أن يؤثر في شكل الحكومة وفي أولوياتها وفي الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية تدبير البلاد.

لكن ماذا يحدث لهذا الوعد عندما يشعر المواطن أن جزءا من القرارات الكبرى قد يكون محسوما خارج صناديق الاقتراع؟

حينها يبدأ المواطن، وهذا حقه، في طرح السؤال الأصعب: هل صوته سيغير شيئا؟

وهذه ليست مسألة هامشية.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام انتخابي ليس أن يصوت المواطن لهذا الحزب أو ذاك، وإنما أن يقتنع بأن التصويت لا فائدة منه.

عندها يتحول العزوف من موقف فردي إلى ثقافة سياسية.

ويصبح الامتناع عن المشاركة، بالنسبة إلى فئات واسعة، أكثر من مجرد عدم اهتمام بالشأن العام.

يصبح تعبيرا عن فقدان الثقة في جدوى المشاركة نفسها.

المشكلة في مثل هذه التسريبات أنها لا تضرب صورة شخص واحد فقط... هي تضرب صورة السياسة نفسها.

أن ما حدث بعزز واحدة من أكثر الأفكار انتشارا وإضرارا بالحياة الديمقراطية: أن الانتخابات شيء، وصناعة القرار شيء آخر.

وأن ما يحدث في صناديق الاقتراع قد لا يكون بالضرورة ما يحسم توزيع النفوذ في النهاية.

وهل يمكن بناء ديمقراطية قوية على شعور كهذا؟

الحكومة، كما هو متعارف عليه، ليست لوحة لتقسيم النفوذ.

والانتخابات ليست طقسا موسميا ينتهي بمجرد إعلان النتائج.

كل هذه المؤسسات يفترض أن تعمل وفق قواعد واضحة، وأن يكون المواطن قادرا على فهم كيف تُتخذ القرارات الكبرى ومن يتحمل مسؤولية اتخاذها.

أما عندما تصبح الإجابات غامضة، فإن الشك يملأ الفراغ.

والشك، في السياسة، سريع العدوى.

وحين يفقد الناس الثقة في أن أصواتهم قادرة على تغيير شيء، يصبح الصمت الانتخابي أقوى من كل الحملات.

وعندها لا تكون المشكلة فيمن سيفوز بالانتخابات... بل فيمن بقي يؤمن بأن الانتخابات يمكن أن تصنع الفرق أصلا !