كثيراً ما يُردَّد في الأوساط الأكاديمية المقولة المنسوبة لنابليون بونابرت: "عندما تستيقظ الصين، يرتجف العالم." وإن كان المؤرخون يُرجِّحون اليوم أن مصدرها الحقيقي هو الكاتب الفرنسي ألان بيريفيت، الذي جعل منها عنواناً لمؤلَّفه الشهير الصادر عام 1973، فإن الدلالة تبقى راهنة بل وأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فالصين التي فرضت نفسها قوةً اقتصادية لا يمكن تجاهلها، باتت تُطلّ اليوم من نافذة مختلفة تماماً: نافذة الحرب. فما يجري في إيران يتجاوز في نظر كثير من المحللين حدود الصراع الإقليمي، بل مسرحاً تكشف فيه بكين — بهدوء ومن وراء حلفائها — عن وجه جديد لقوتها العسكرية والتكنولوجية، وتُعيد من خلاله كتابة قواعد الاشتباك التي احتكرتها واشنطن عقوداً. والسؤال الذي يُقلق كثيرين في عواصم الغرب لم يعد "هل ستستيقظ الصين وتنافس القوى الكبرى على قيادة العالم؟" بل "إلى أي مدى ستمضي؟"
بالنسبة للصين، إيران ليست مجرد شريك تجاري، بل حليف جيوسياسي محوري. فمنذ عام 2016 ارتقت علاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. ووفق أرقام نشرتها رويترز، استوردت الصين - أكبر مستهلك للنفط في العالم - ما يقارب 90% من صادرات إيران النفطية العام الماضي، بما يعادل نحو 1.38 مليون برميل يومياً تمثّل 13.4% من إجمالي وارداتها البحرية. علاوةً على ذلك، تتضمن مشاريع طرق الحرير الجديدة خطاً للسكك الحديدية يربط مدينة يوو الصينية بمدينة قم الإيرانية، وهو ممر بري يُمكّن بكين من تجاوز مضيق ملقا الذي ظل طويلاً نقطة ضعفها الاستراتيجية.
غير أن ما يستأثر باهتمام المراقبين اليوم هو التحول النوعي في مجال التسليح الذي تسعى الصين إلى فرض نفسها فيه. في سياق الحرب على إيران، برزت قدرات باليستية متقدمة يُرجَّح أنها استفادت من تقنيات صينية، لا سيما في مجال الصواريخ فرط الصوتية. هذه الصواريخ، التي تزيد سرعتها على خمسة أضعاف سرعة الصوت وتتميز بقدرتها على المناورة في مسارات غير متوقعة، تطرح تحديات غير مسبوقة أمام المنظومات الدفاعية التقليدية، سواء كانت “القبة الحديدية” أو “ثاد”. ورغم أن التقارير حول استخدامها الفعلي في الميدان الإيراني لا تزال غير مؤكدة، فإن مجرد امتلاك الصين لهذه التكنولوجيا وتطويرها المستمر يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية القائمة على حاملات الطائرات كمنصات قوة محورية.
والمشهد الأكثر إدهاشاً وإبهاراً في هذا التحول التكنولوجي كان ما شهدته استعراضات بكين مطلع عام 2026. قدّمت الصين عرضاً غير مسبوق: عشرات الروبوتات الإنسانية تؤدي حركات قتالية معقدة، تقفز وتتسلق وتتناسق بتناغم تام كجنود خارجين من أفلام الخيال العلمي. هذه الروبوتات التي طورتها شركة Unitree الصينية تعمل بأنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تمكّنها من التفاعل مع محيطها والتواصل فيما بينها بتنسيق جماعي.
وفي شبه القارة الهندية، أتاح شهر مايو 2025 مسرحاً آخرللعمليات استدعى تحليلات مستفيضة. ففي أعقاب الهجوم الذي استهدف باهالغام بولاية جامو وكشمير، أطلقت نيودلهي “عملية سندور”، سلسلة ضربات عسكرية استمرت أربعة أيام. في تلك الحرب القصيرة، اعتمدت باكستان بشكل كبير على ترسانتها الصينية: منظومات الدفاع الجوي “HQ-9B”، والطائرات المقاتلة “JF-17 ثاندر” المصنعة بالتعاون الصيني الباكستاني وتعزيزات نوعية من بكين، شملت طائرات مقاتلة من الجيل الخامس “J-35A”، ومنظومة الإنذار المبكر “KJ-500″، ومنظومة الدفاع الصاروخي الاستراتيجي “HQ-19″.
أمام هذا التفوق التكنولوجي المتنامي يطرح سؤال مشروع نفسه: لماذا لا تستثمر الصين هذه القدرات لاسترداد واستعادة تايوان بالقوة العسكرية؟ من الناحية النظرية، تمتلك بكين اليوم ما يكفي لضمان نجاح أي عملية عسكرية على الجزيرة: تفوق جوي وصاروخي مطلق، وروبوتات قتالية قادرة على تنفيذ عمليات إنزال دون المجازفة بأرواح الجنود، وقدرات حصار متقدمة عبر الطائرات المسيّرة والأساطيل الآلية. لكن يبدو أن القيادة الصينية، وهي تُدرك أن التاريخ لا يحكم على الحروب بسرعة الانتصار بل بديمومة نتائجها، تختار مساراً مغايراً: الاستراتيجية الشاملة للوحدة السلمية. تفضّل أن تُظهر قدراتها العسكرية في ساحات أخرى (إيران، وباكستان) لردع أي تدخل خارجي، وتربط اقتصاد الجزيرة باقتصاد البر الرئيسي، وتنتظر اللحظة الملائمة وفق حكمة سون تزو: «أسمى صور الاستراتيجية هو إخضاع جيش العدو دون قتال.»
وفي خضم هذا التصاعد التكنولوجي والعسكري، يبقى الخطاب الدبلوماسي الصيني متزناً لكنه حازم. ففي 1 مايو 2026، حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، من أن قضية تايوان تشكل "أكبر نقطة خطر" في العلاقات الصينية-الأمريكية. وهذا التحذير، الذي يأتي في لحظة تبهر فيها القدرات العسكرية الصينية المراقبين، ليس مجرد عبارة دبلوماسية روتينية. بل يعني أن بكين لن تتسامح مع أي محاولة لاختراق وتجاوز خطوطها الحمراء، وأن أي تصعيد أمريكي حول الجزيرة قد يثير رداً حاسماً. وهكذا، وراء التحفظ الصيني الظاهر على ملف تايوان، تخفي بكين إصراراً مطلقاً، تعززه قوة تكنولوجية باتت قادرة حقاً على جعل "العالم يرتجف". وفي تطور موازٍ يعكس ثقة بكين المتزايدة، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين زعيمة المعارضة التايوانية تشينغ لي وون في أول لقاء من نوعه منذ أكثر من عقد.
والآن، زيارة ترامب لبكين
الأربعاء 13 مايو 2026، يؤدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة رسمية إلى بكين. هذا التحرك الذي أُعلن في تحفظ دبلوماسي لافت يأتي في لحظة تعرف فيها موازين القوى العالمية تحولاً متسارعاً. ترامب الذي أطلق منذ عودته إلى البيت الأبيض سياسة مواجهة براغماتية مع الصين يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد: واقع قوة صينية لم تعد في حاجة إلى إثبات قدرتها على «إرجاف العالم»، بل تختار بعناية متى وكيف تفعل ذلك.
يتساءل المراقبون: ماذا يبحث ترامب في بكين، هو الذي بنى رئاسته على المواجهة التجارية والتكنولوجية مع الصين؟ الجواب، وفق محللين مقربين من الملف، يتلخص في كلمة واحدة: تهدئة مُكرَهة. ذلك أن استعراضات روبوتات بكين الإنسانية مطلع 2026، والقدرات فرط الصوتية التي ظهرت في إيران، والاستعراض التكنولوجي للقوة إبان النزاع الهندي-الباكستاني في مايو 2025، أنتجت أثرها: باتت واشنطن تُدرك أن أي مواجهة مفتوحة حول تايوان أو في بحر الصين الجنوبي قد تُفضي إلى هزيمة تكنولوجية لم تشهدها منذ الحرب الباردة. وربما حتى اعتراف أمريكي بسيادة الصين على جزيرة تايوان.
وهنا يبرز الدرس العميق للمغرب والدول العربية. فالتحول التكنولوجي الهائل الذي تشهده أنظمة التسليح اليوم – من الصواريخ الفرط صوتية إلى الروبوتات القتالية وأنظمة الدفاع بالذكاء الاصطناعي – يفرض إعادة نظر جذرية في سياسات التسلح التقليدية. المغرب الذي يبني خياراته الاستراتيجية على توازنات دقيقة، مدعو إلى التفكير في تنويع شراكاته العسكرية. فالصين وروسيا لم تعودا مجرد موردين بديلين، بل أصبحتا تقودان ثورة تكنولوجية تعيد تعريف قواعد الاشتباك. الروبوتات القتالية الصينية بتكلفتها المنخفضة، والمنظومات الدفاعية الروسية التي أثبتت كفاءتها في الميدان، تمثلان خيارات استراتيجية لم تكن متاحة قبل عقد من الزمن.
العبارة التي افتتحنا بها - «حين تستيقظ الصين، يرتجف العالم» - لم تعد مجرد نبوءة تاريخية. اليوم يشهد العالم قوة الصين على الساحتين الإيرانية والباكستانية. وحين تقرر بكين تحويل قدراتها التكنولوجية إلى حضور عسكري مباشر، فإن الهزة ستُعيد رسم خريطة القوى الدولية. لكن حكمة الصين تكمن في أنها لا تحتاج اليوم إلى إشعال تلك الهزة؛ فهي تمتلك رفاهية الوقت لتنتظر اللحظة التي تأتي فيها تايوان إليها طوعاً، وتتجنب حرباً قد تكون ناجحة عسكرياً لكنها ستُخلّف ندوباً سياسية تحتاج أجيالاً لاندمالها. وللمغرب أن يستلهم من هذه الحكمة دروساً في تنويع تحالفاته ومواكبة ثورة تكنولوجية لن تنتظر أحداً.
باحث في العلوم السياسية
