من المؤكد أن غياب عبد الإله بنكيران عن لوائح الترشيح الخاصة بحزب العدالة والتنمية في دائرة سلا المدينة لم يكن مجرد تفصيل تنظيمي عابر، بل حدثا سياسيا يحمل دلالات أعمق تتجاوز حدود الأسماء إلى طبيعة التحولات التي يعرفها الحزب نفسه.
فالرجل الذي ظل لسنوات طويلة الواجهة الأكثر بروزاً داخل التنظيم، وصوتاً سياسياً مثيراً للجدل والحضور، وجد نفسه خارج سباق كان يُظن أنه سيكون أحد أبرز عناوينه.
في خلفية هذا الغياب، تبرز معطيات تشير إلى أن اسم بنكيران طُرح داخل مسطرة اختيار المرشحين، لكنه لم يتصدر الترتيب الداخلي، ما خلق حالة من التردد داخل دوائر القرار الحزبي.
هذا الترتيب، وإن بدا إجرائياً في ظاهره، إلا أنه قد يعكس تحولاً في منطق التعامل مع الرموز القيادية داخل الحزب، حيث لم تعد الأقدمية أوالثقل السياسي – وما أدراك ما ثقل بنكيران السياسي- كافياً لضمان موقع متقدم في اللوائح الانتخابية.
النقاش داخل الحزب لم يكن تقنياً فقط، وفق مقربين من "المصباح"، بل اتخذ طابعاً سياسياً واضحاً، فهناك من رأى أن حضور رئيس حكومة سابق في سباق انتخابي تشريعي يطرح إشكالات تتعلق بالمكانة الرمزية والانسجام المؤسساتي، خاصة في ظل سوابق سياسية لم تعرف ترشح رؤساء حكومات سابقين للبرلمان بعد انتهاء مهامهم التنفيذية.
كما أثيرت تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه داخل المؤسسة التشريعية، ومدى توافق ذلك مع موقعه السابق ومساره السياسي.
في المقابل، دافع تيار آخر داخل الحزب عن فكرة ترشيحه، باعتبارها فرصة لإعادة إبراز الوزن السياسي لبنكيران في لحظة دقيقة يمر منها الحزب، خاصة بعد التراجع الكبير الذي عرفه في انتخابات 2021.
بالنسبة لهذا التوجه، كان من شأن مشاركته أن تمنح الحملة الانتخابية زخماً رمزياً، وتعيد شيئاً من الحضور الإعلامي والسياسي الذي فقده الحزب في السنوات الأخيرة.
لكن هذا الخيار، رغم وجاهة بعض مبرراته لدى أصحابها، ظل محفوفاً بحسابات دقيقة تتعلق بالمستقبل السياسي للرجل نفسه، وبصورة الحزب في آن واحد، في ظل سياق سياسي يعرف إعادة ترتيب موازين القوة داخل الخريطة الحزبية المغربية.
في النهاية، فإن غياب بنكيران عن السباق الانتخابي لا يمكن قراءته فقط كإقصاء أو تراجع شخصي، بل كعلامة على مرحلة جديدة داخل حزب العدالة والتنمية، تتسم بإعادة ضبط العلاقة بين القيادة التاريخية وآليات الاختيار التنظيمي، وربما كعلامة أخرى على أن زمن بنكيران قد انتهى داخل الحزب، وربما داخل الخريطة السياسية في المغرب.
ومع ذلك، يظل من المهم التأكيد على أن ما حدث يعكس في جانب منه حيوية داخلية لافتة داخل الحزب، حيث تُحسم اختيارات حساسة عبر آليات ديمقراطية داخلية، حتى وإن أدت في النهاية إلى استبعاد أسماء وازنة وذات ثقل رمزي كبير مثل عبد الإله بنكيران.
