أصبح الجلوس لساعات طويلة جزءاً لا يتجزأ من نمط الحياة المعاصر، سواء في أماكن العمل أمام شاشات الحاسوب، أو أثناء قيادة السيارة، أو خلال متابعة التلفاز. ورغم أن هذه العادة تبدو اعتيادية، فإن الدراسات الحديثة تؤكد أنها تحمل آثاراً صحية خطيرة تمتد إلى مختلف أجهزة الجسم، وترتبط بارتفاع خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، من بينها السكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن تأثيرها السلبي في الصحة النفسية.
ووفقاً لموقع «هيلث لاين»، يقضي أكثر من نصف الأشخاص ما يزيد على ست ساعات يومياً في وضعية الجلوس، وهي فترة كافية لإحداث تغيرات فسيولوجية قد تنعكس سلباً على الجسم مع مرور الوقت، حتى لدى الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً بدنياً في أوقات أخرى من اليوم.
ومن أبرز الآثار المباشرة للجلوس المطول ضعف عضلات الساقين والأرداف نتيجة انخفاض استخدامها، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى ضمور هذه العضلات وتراجع قدرتها على دعم الجسم، ما يزيد من احتمالات فقدان التوازن والتعرض للإصابات.
كما يسهم قلة الحركة في إبطاء عمليات الأيض، إذ يقل إفراز إنزيمات مسؤولة عن معالجة الدهون والسكريات، مثل إنزيم «ليبوبروتين ليباز». وقد أظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2025 وجود علاقة واضحة بين الخمول وارتفاع مؤشر كتلة الجسم، وزيادة محيط الخصر، وارتفاع نسبة الدهون، ولا سيما الدهون الحشوية التي تتراكم حول الأعضاء الداخلية وترتبط بارتفاع خطر الإصابة بالسكري وأمراض القلب.
ولا تقتصر الأضرار على ذلك، فالجلوس لفترات طويلة يؤدي أيضاً إلى شد عضلات الورك وزيادة الضغط على العمود الفقري، خاصة عند اتخاذ وضعية جلوس غير صحيحة أو استخدام مقاعد غير مريحة. وتشير مراجعة علمية صدرت عام 2021 إلى أن الجلوس المطول يزيد خطر الإصابة بآلام أسفل الظهر بنسبة 42 في المائة لدى البالغين، فيما ترتفع النسبة إلى 63 في المائة بين الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة في استخدام الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وألعاب الفيديو. كما أن الجلوس بوضعية منحنية قد يسرّع تآكل الفقرات ويزيد من احتمالات الإصابة بآلام الظهر المزمنة.
وتتجاوز انعكاسات الخمول الجانب البدني لتشمل الصحة النفسية أيضاً. فقد كشفت دراسة أجريت عام 2025 أن الشباب الذين لا يمارسون نشاطاً بدنياً كافياً كانوا أكثر عرضة للإصابة بأعراض القلق بنسبة 89 في المائة، وبأعراض الاكتئاب بنسبة 149 في المائة، في حين تؤكد دراسات أخرى أن ممارسة النشاط البدني بانتظام تسهم في الحد من هذه الاضطرابات وتحسين الصحة النفسية.
كما تشير الأدلة العلمية إلى وجود ارتباط بين الجلوس لفترات طويلة وارتفاع خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان. فقد خلصت مراجعة نُشرت عام 2022 إلى أن الجلوس المطول يزيد احتمالات الإصابة بسرطان المبيض وبطانة الرحم والقولون بأكثر من 25 في المائة، مع تسجيل زيادات أقل في مخاطر الإصابة بسرطان الثدي والبروستاتا والمستقيم. ويُرجع الباحثون ذلك إلى ما يسببه الخمول من اضطرابات هرمونية ومقاومة للأنسولين والتهابات مزمنة قد تهيئ بيئة مناسبة لنمو الأورام.
وتتأثر صحة القلب والأوعية الدموية كذلك بقلة الحركة، إذ يؤدي الجلوس لفترات طويلة إلى تجمع الدم في الساقين وانخفاض كمية الدم العائدة إلى القلب، ما ينعكس على كفاءة الدورة الدموية. كما يسهم انخفاض معدل الأيض وارتفاع مقاومة الأنسولين في زيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب. وأظهرت دراسة أجريت عام 2024 أن قضاء وقت طويل في مشاهدة التلفاز يرتبط بارتفاع معدلات الإصابة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب التاجية وفشل القلب، فيما بينت دراسة أخرى أن كل ساعة إضافية يقضيها الشخص أمام التلفاز يومياً تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 32 في المائة، وخطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 58 في المائة.
أما فيما يتعلق بداء السكري، فتشير الدراسات إلى أن الجلوس الطويل، خصوصاً أمام التلفاز، يعد من أكثر أنماط الخمول ضرراً. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 أن الأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة في مشاهدة التلفاز ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بداء السكري من النوع الثاني بنسبة 135 في المائة، بينما ارتبطت ممارسة النشاط البدني المعتدل بانخفاض خطر الإصابة بهذا المرض بنسبة 69 في المائة. كما أن قلة الحركة لدى مرضى السكري تزيد من احتمالات التعرض لمضاعفات خطيرة، من بينها السكتة الدماغية وأمراض العيون.
ويؤكد المختصون أن الحد من مخاطر الجلوس لا يتطلب بالضرورة ممارسة الرياضة المكثفة، بل يمكن تحقيق فوائد صحية ملموسة من خلال الحركة المنتظمة، والحرص على الوقوف أو المشي لبضع دقائق كل ساعة، واعتماد نمط حياة أكثر نشاطاً خلال اليوم.
