لم يكن متوقعا أن يصل عبد الإله بنكيران، أحد أبرز المدافعين عن خيار المشاركة السياسية والعمل من داخل المؤسسات، إلى لحظة يعترف فيها بأن سنوات طويلة من هذا المسار جعلته يشعر، ولو للحظات، بأنه "كايصب الما في الرملة".
لكن تصريحاته الأخيرة، إلى جانب تلويحه بالاستقالة من قيادة حزب العدالة والتنمية، فتحت الباب أمام قراءة تتجاوز الانفعال السياسي الظرفي، وتضع تجربته كلها أمام سؤال جدوى المشاركة وحدود قدرتها على إحداث التغيير.
المفارقة أن هذا النوع من الخطاب يقترب، ولو من زاوية مختلفة، من الفكرة التي بنت عليها جماعة العدل والإحسان موقفها من العمل السياسي المؤسساتي منذ عقود، فالجماعة ترى أن المشاركة في المؤسسات ضمن القواعد القائمة لا تكفي لإحداث تغيير جوهري، وأن هامش الفعل السياسي يظل محدودا أمام طبيعة موازين القوى.
هذا الموقف عبر عنه مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين، قبل أن يكرره لاحقا أمينها العام محمد العبادي، خصوصا عند الحديث عن تجربة العدالة والتنمية في الحكومة واعتبارها دليلا على محدودية الرهان على الإصلاح من الداخل.
واللافت أن بنكيران لم يكن، إلى وقت قريب، مستعدا لمنح هذا الطرح أي مشروعية، فقد انتقد، قبل أسابيع، موقف الجماعة من المشاركة، متسائلا عن البديل الذي قدمته بعد سنوات من المقاطعة السياسية.
كان سؤال بنكيران يومها واضحا: إذا كان الإصلاح من داخل المؤسسات غير مجد، فما البديل؟
اليوم، تبدو تصريحات بنكيران وكأنها تعيد طرح السؤال نفسه، ولكن من ضفة أخرى... فإذا كان الرجل يقول إنه شعر في أكثر من محطة بأنه يبذل جهدا دون أن يرى النتائج التي انتظرها، فإن ذلك يضع تجربة المشاركة أمام امتحان حقيقي: هل يتعلق الأمر بإخفاق شخصي وحزبي، أم أن المشكلة أعمق وترتبط بحدود النظام السياسي نفسه وبالهوامش المتاحة أمام الفاعل الحزبي؟
قد يكون بنكيران، ببساطة، يعبر عن إحباط حقيقي تراكم خلال سنوات طويلة من العمل السياسي، فتجربة العدالة والتنمية في الحكم، التي بدأت سنة 2011، انتهت بخسارة الحزب للانتخابات التشريعية سنة 2021 وخروجه من الحكومة، وهي نتيجة لا يمكن فصلها عن الإحساس الذي يعبر عنه بنكيران اليوم.
ومن هذه الزاوية، قد يكون صب الماء ف الرمل، أو النفخ في قربة مقطوعة، أقرب إلى اعتراف شخصي بأن ما كان يبدو ممكنا في مرحلة سابقة أصبح أكثر صعوبة مما كان يتصور.
لكن هناك قراءة سياسية أخرى ترى في هذا الخطاب محاولة لإعادة بناء صورة الحزب قبيل استحقاقات 2026... فالإحباط، والحديث عن الاستقالة، والإيحاء بوجود عوائق تتجاوز الحزب، كلها عناصر قادرة على إعادة تعبئة القواعد واستعادة التعاطف الشعبي.
والحالة هاته، لا يصبح الاعتراف بالعجز اعترافا بالفشل بقدر ما يتحول إلى خطاب انتخابي يقوم على المظلومية وعلى تقديم الحزب باعتباره قوة حاولت الإصلاح، لكنها اصطدمت بعراقيل أكبر منها.
أما القراءة الثالثة فتضع إصبعها على التناقض الأكثر وضوحا للأسف، فبنكيران لا يبدو أنه تراجع فعلا عن خيار المشاركة، إنما ينتقد محدودية ما تحقق من داخل المؤسسات، لكنه لا يدعو إلى مقاطعتها، بل يواصل الدفاع عن المشاركة في الانتخابات وعن حق حزبه في العودة إلى موقع القرار.
بمعنى آخر، هو لا يقول إن المشاركة خطأ، وإنما يعبر عن خيبة أمله من النتائج التي أفرزتها المشاركة بصيغتها الحالية.
أخيرا، لا يمكن أن نستشفّ - بشكل مباشر – أن بنكيران "اتفق" مع العدل والإحسان، فهذا استنتاج سياسي مبالغ فيه، ولكن يبدو أنه أعاد، من داخل معسكر المشاركة نفسه، طرح السؤال الذي ظل خصومه يطرحونه منذ سنوات، لابساً عباءة العبادي... ولو إلى حين !
