الهجرة سباحة نحو سبتة... من أزمة الفقر إلى أزمة الأمل

 الهجرة سباحة نحو سبتة... من أزمة الفقر إلى أزمة الأمل
آخر ساعة
الأربعاء 29 يوليو 2026 - 20:43

في اليومين الأخيرين، عاد مشهد الهجرة سباحة نحو مدينة سبتة السليبة ليفرض نفسه من جديد... مئات الشبان والشابات اختاروا البحر طريقًا إلى الضفة الأخرى، في صورة تتكرر بين الحين والآخر، لكنها لا تفقد قدرتها على إثارة الألم والأسئلة.

وجه الفتاة "فرح"، اليافعة التي تمارس الرياضة وتنحدر من أسرة متواضعة، والتي قطعت نحو خمسة كيلومترات سباحة في عرض البحر، لتصل إلى سبتة وهي ترفع إصبعي النصر، بابتسامة بدت وكأنها تعلن انتصارها على الخوف أكثر مما تعلن وصولها إلى اليابسة، كان واحداً من الوجوه التي أصرّت على فرض وجودها في هذا الحادث، ظهوراً وإثارةً للأسئلة.

فقصتها قد تبدو مجرد قصة فردية، لكنها في الحقيقة تختزل أزمة أوسع بكثير... فعندما تقرر فتاة في مقتبل العمر أن تراهن بحياتها في البحر، فالأمر يتجاوز كونه مغامرة شخصية أو قرارًا متهورًا.

نحن أماما تعبير عن شعور عميق بانسداد الأفق، ورسالة صامتة مفادها أن المستقبل، كما تراه، يوجد في مكان آخر، لكن التوقف عند مصيرها وحده لا يكفي، لأن الظاهرة نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل سنوات.

فالمهاجر السباح لم يعد بالضرورة ذلك الشاب الذي دفعت به الحاجة والفقر المدقع إلى البحر... فنحن الآن نشاهد فتيات وفتيانًا تبدو عليهم ملامح حياة مستقرة نسبيًا، يرتدون ملابس رياضية جيدة، ويعتنون بمظهرهم، وقد لاينتمون إلى الفئات الأكثر هشاشة.

هذا التحول يكشف أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة وأمل، امتدت إلى شرائح كانت تُعد جزءًا من الطبقة الوسطى، التي طالما شكلت عنصر التوازن داخل المجتمع، وكأن الفرار أصبح من المستقبل القاتم وليس من الحاضر الضبابي.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ماذا تغير حتى أصبحت الهجرة حلمًا يجمع أبناء الأحياء الشعبية وأبناء الأسر الميسورة على حد سواء؟ من المؤكد أنه عندما يقتنع الشاب أو الشابة بأن الغد لن يكون أفضل من اليوم، يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رهبة من البقاء في واقع يراه مغلقًا.

إن القضية ليست قضية فرح وحدها، أو بنات جيلها، أو أبناء طبقتها،  ولا قضية سبتة وحدها، بل قضية جيل كامل يبحث عن أفق يطمئن إليه.

 وإذا كان "بحر سبتة" قد تحول في نظر كثيرين إلى طريق للخلاص، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع الناس من السباحة، بل في إعادة بناء الأسباب التي تجعل البقاء في الوطن خيارًا يستحق التمسك به.