المغرب والتعدد الديني.. حين يكون القانون هو الفيصل !

 المغرب والتعدد الديني.. حين يكون القانون هو الفيصل !
آخر ساعة
الأربعاء 22 أبريل 2026 - 14:10

أثار مشهد أداء طقوس دينية يهودية قرب باب دكالة بمدينة مراكش نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر الأمر ممارسة طبيعية تدخل في إطار حرية المعتقد، وبين من ذهب إلى تأويلات بعيدة عن الواقع، وصلت حد ربط المشهد بطقوس أجنبية أو رموز لا علاقة لها بالسياق المغربي.

ودائما، في مثل هذه القضايا، من الضروري العودة إلى منطق الدولة المغربية وتاريخها، لا إلى الانفعالات العابرة. فالمغرب لم يكن يوماً بلداً منغلقاً على الآخر أو عدوّاً للتنوع، بل شكّل - عبر قرون - أرض تعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم، واحتضن مكونات دينية وثقافية متعددة صهرتها الهوية الوطنية الجامعة.

واليهود المغاربة ليسوا عنصراً وافداً أو غريباً، بل جزء أصيل من تاريخ هذا البلد وذاكرته ومجاله الاجتماعي.

ثم إن مؤسسة إمارة المؤمنين، التي تشكل إحدى خصوصيات النظام المغربي، قامت تاريخياً على حماية الدين وضمان حقوق مختلف المكونات الدينية داخل المملكة، بما يجعل المغرب نموذجاً إقليمياً في تدبير التعدد الديني بروح الاستقرار والاعتدال.

المفارقة أن بعض الأصوات التي انتقدت هذا المشهد، هي نفسها التي تحتفي في مناسبات كثيرة بصور المسلمين وهم يؤدون الصلاة في الساحات العامة والعواصم الغربية، معتبرة ذلك دليلاً على التسامح والانفتاح، فكيف نرضى بتفتح الآخرين ونرفضه لأنفسنا؟ إنها أفضل طريقة لتقديم أسوأ صورة على قدرتنا على استيعاب الآخر.

 فإذا كان من حق المسلمين ممارسة شعائرهم في دول غير مسلمة، فمن باب أولى أن يُعترف للآخرين بحق مماثل داخل المغرب، ما دام الأمر يتم في إطار الاحترام والنظام العام.

المعيار الحقيقي هنا ليس هوية من يصلي، ولا ديانته، بل احترام القانون !

فإذا كانت أي ممارسة دينية، أياً كان أصحابها، تعرقل السير أو تحتل الملك العمومي أو تخل بالنظام العام، فمن حق السلطات المختصة التدخل وفق القانون.

 أما إذا تمت بشكل سلمي وعابر ومن دون إضرار بالناس أو بالمرافق، فإن تضخيمها وتحويلها إلى معركة هو سلوك لا يخدم إلا التعصب وسوء الفهم.

إن المملكة المغربية أكبر من القراءات الضيقة، وأعمق من الأحكام السريعة التي تصنعها مواقع التواصل، وقوتها كانت، وستظل، دائماً في قدرتها على استيعاب الاختلاف داخل إطار الدولة والقانون.

ومن يريد الدفاع عن هوية المغرب، فليدافع عنها كما كانت دائماً: هوية منفتحة، واثقة من نفسها، لا تخاف من التنوع ولا تعادي حرية المعتقد.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول من صلّى أو من أقام شعائره، بل حول ما إذا احتُرم القانون أم لا... ذلك هو الفيصل العادل، وما عداه مجرد ضجيج عابر !