المجلس الأعلى للتربية والتكوين يحذر: تفاوت مقلق بين تسارع استعمالات الذكاء الاصطناعي وغياب التأطير

 المجلس الأعلى للتربية والتكوين يحذر: تفاوت مقلق بين تسارع استعمالات الذكاء الاصطناعي وغياب التأطير
آخر ساعة
الأربعاء 3 يونيو 2026 - 8:59

حذّر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من وجود تفاوت مقلق بين التسارع الكبير في اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التعليمية، وبين بطء وتيرة التأطير المؤسسي والتنظيمي المواكب لها، معتبراً أن هذا الاختلال قد يفرز تداعيات عميقة على مستقبل التعلمات وجودة التعليم.

جاء ذلك في توصية جديدة صادقت عليها الجمعية العامة للمجلس، خلال دورتها الثانية عشرة، والتي تدعو بشكل استعجالي إلى إرساء إطار وطني مندمج ينظم ويوجه استعمال الذكاء الاصطناعي في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي.

ويأتي هذا الموقف في سياق إحالة ذاتية للمجلس، هدفها تنبيه الفاعلين التربويين والمؤسسات العمومية إلى الطابع الاستعجالي لتنظيم هذا المجال، قبل ترسخ ممارسات استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل يصعب ضبطه أو توجيهه لاحقاً.

ويشير التقرير إلى مفارقة بنيوية واضحة، تتمثل في تسارع إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل الفصول الدراسية والفضاء الأسري، مقابل غياب إطار تنظيمي موحد يحدد شروط الاستخدام ويضبط آثاره التربوية والمعرفية، ويضمن الحماية الرقمية للمتعلمين.

ويبرز المجلس أن الأجيال الصاعدة أصبحت "جيلاً متصلاً" يتعامل بشكل يومي مع التطبيقات الذكية ومحركات البحث التوليدية، حيث يتم توظيف هذه الأدوات في إنجاز الواجبات الدراسية وإنتاج المحتويات التعليمية، وهو ما تؤكده معطيات حديثة صادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات.

وفي المقابل، يسجل المجلس استمرار غياب تأطير مؤسساتي شامل، قادر على مواكبة هذا التحول السريع، سواء على مستوى ضبط الاستعمالات أو تقييم تأثيراتها على النمو المعرفي وبناء الذهنيات لدى المتعلمين.

ورغم الإقرار بوجود مبادرات قطاعية مهمة، سواء في قطاع التربية الوطنية عبر الرقمنة وتطوير المنصات التعليمية، أو في التعليم العالي من خلال إدماج علوم البيانات، أو في التكوين المهني عبر برامج المحاكاة، فإن المجلس يعتبر هذه الجهود متفرقة وتفتقر إلى رؤية مندمجة توحد التوجهات.

كما ينبه التقرير إلى خلط قائم بين الرقمنة التقليدية، المرتبطة بتطوير البنيات التحتية والمنصات، وبين الاستخدامات المتقدمة للذكاء الاصطناعي، مثل التحليل التنبؤي والتوليد الذكي ودعم القرار، مما يحد من فعالية السياسات العمومية في هذا المجال.

وتستند توصية المجلس إلى مرجعيات وطنية ودولية، في مقدمتها الدستور المغربي، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، إلى جانب التزامات المملكة في المحافل الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بجودة التعليم والتحول الرقمي.

ويؤكد المجلس أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التربية يحمل فرصاً مهمة، من بينها تحسين جودة التعلمات، وتفريد مسارات التعلم، وتخفيف الضغط عن المدرسين، لكنه يظل مشروطاً بعدة رهانات أساسية، أبرزها حماية الجهد الذهني للمتعلمين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتمكين الأطر التربوية من الكفاءات الرقمية اللازمة، إضافة إلى الحفاظ على السيادة المعرفية والخصوصيات الثقافية.

كما تدعو التوصية إلى إرساء إطار وطني يقوم على حكامة مؤسساتية مرنة، ومقاربة بيداغوجية أخلاقية، تضمن حماية المعطيات الشخصية، وعدم إحلال الذكاء الاصطناعي محل الدور الإنساني للمدرس، مع تحقيق التوازن بين التدخلات الآنية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

وفي هذا السياق، يشدد المجلس على أهمية إشراك الأسر والمتعلمين في هذا التحول الرقمي، عبر التوعية والتأطير، لضمان استخدام مسؤول وآمن للتكنولوجيا داخل الفضاء التعليمي والأسري.

ويخلص المجلس إلى أن التأخر في وضع إطار منظم لا يعد خياراً محايداً، بل يمثل مخاطرة حقيقية قد تترك مسارات تعلم الأجيال القادمة رهينة لتطبيقات وخوارزميات غير مؤطرة وطنياً.