في زمن تتسارع فيه المعلومات الصحية على نحو يفوق أحياناً قدرة المؤسسات الطبية على التمحيص والتصحيح، برز ما يُعرف بـ"نظام الطيبات" أو "نظام العوضي" بوصفه واحداً من أكثر الظواهر الغذائية إثارة للجدل في العالم العربي، ليس فقط بسبب محتواه الغذائي، بل أيضاً بسبب التحولات التي طرأت على طريقة تقديمه وتداوله، قبل أن يتحول إلى موضوع نقاش طبي وإعلامي واسع، بل وتدخلات مؤسساتية في بعض البلدان.
والواقع أن الأفكار التي طرحها صاحبه الراحل ضياء العوضي، تجاوزت حدود التوصيات الغذائية إلى طرح تصورات طبية مثيرة للجدل، وصل بعضها إلى إنكار أو التقليل من خطورة أمراض مزمنة، والادعاء بإمكانية التحكم فيها أو إيقاف علاجها الدوائي عبر النظام الغذائي وحده.
هذه النقطة تحديداً هي ما يجعل النقاش حول "الطيبات" يتجاوز كونه مجرد اختلاف في أنماط الأكل، إلى سؤال أخطر يتعلق بحدود الخطاب الصحي غير المؤسس علمياً، خاصة عندما يُقدَّم على أنه بديل عن الطب الحديث.
فعدد من الأوساط الطبية اعتبرت أن مثل هذه الطروحات تفتقر إلى الأساس العلمي، وتُشكل خطراً مباشراً عندما تُفهم أو تُطبق خارج الإشراف الطبي، خصوصاً لدى مرضى السكري وأمراض الضغط والقلب.
وما يزيد من حدة الجدل أن بعض طرحه العوضي لم يكن مرتبطاً فقط بالحمية الغذائية، بل شمل أيضاً مواقف وتصريحات وُصفت بالتناقض، سواء من حيث توصياته الصارمة تجاه أطعمة شائعة، أو من حيث سلوكيات شخصية جرى تداولها إعلامياً وأثارت تساؤلات حول الانسجام بين الخطاب والممارسة، وهو ما عمّق الشكوك لدى خصوم هذا النموذج الغذائي.
ومع توسع انتشار هذه الأفكار بعد وفاته، لم يعد النقاش محصوراً في الفضاء الافتراضي، بل وصل إلى مستويات رسمية في بعض الدول، حيث تم اتخاذ إجراءات تنظيمية للحد من تداول محتوى يُنسب إليه، في ظل تحذيرات من تأثيره المحتمل على الصحة العامة، خاصة مع انتشار توصيات قد تدفع بعض المرضى إلى تعديل أو إيقاف علاجاتهم دون إشراف طبي.
الأثر الأخطر لهذا الجدل ظهر في المجال الصحي نفسه، حيث أشارت تقارير إلى تسجيل حالات استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً بعد اتباع أنظمة غذائية صارمة مرتبطة بهذه التوصيات، خصوصاً لدى مرضى يعانون من أمراض مزمنة، وهو ما وضع بعض المرافق الصحية تحت ضغط إضافي، وأعاد طرح سؤال المسؤولية في نشر الخطاب الصحي خارج الأطر العلمية.
ورغم أن مؤيدي هذا النظام يقدمونه باعتباره "نمط حياة" يهدف إلى تحسين جودة العيش عبر الغذاء، فإن المختصين يحذرون من اختزال الأمراض المزمنة في عامل واحد فقط، أو تقديم التغذية كبديل مباشر للعلاج الطبي، معتبرين أن هذا النوع من الخطابات، مهما كانت نواياه، قد يتحول إلى مصدر خطر عندما يُؤخذ خارج سياقه العلمي.
وبين هذا وذاك، يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في "نظام غذائي" بحد ذاته، بل في المساحة الرمادية التي تتحول فيها التوصيات الفردية إلى حقائق شبه مطلقة، دون تحقق علمي كافٍ، وهي مساحة غالباً ما تكون كلفتها الصحية أعلى بكثير من النقاشات التي تدور حولها.
