الصحراء المغربية في قلب العاصفة: بين رسائل الحرب وتحولات الدبلوماسية

 الصحراء المغربية في قلب العاصفة: بين رسائل الحرب وتحولات الدبلوماسية
عبد الحكيم العياط
الأثنين 11 مايو 2026 - 14:14

في يوم من أيام مايو 2026، وتحديدا الخامس من الشهر، اهتزّت ضواحي مدينة السمارة في الصحراء المغربية بدوي ثلاث مقذوفات سقطت في مناطق متفرقة، بين محيط السجن المحلي ومنطقة "اكويز" خلف مقبرة المدينة. لم تُخلّف الانفجارات خسائر بشرية هذه المرة، لكنها فعلت شيئا أخطر من ذلك: أعادت وضع ملف الصحراء على طاولة العالم في توقيت بالغ الحساسية، وكأن أحدا يريد أن يذكر الجميع بأن هذا الملف لم يغلق بعد.

والحادثة ليست الأولى من نوعها. فقد استهدفت جبهة البوليساريو المدينة ذاتها في يونيو 2025، وكان قبله هجوم أكتوبر 2024 الذي راح ضحيته شخص واحد. وهو ما يكشف أن ثمة نمط متكرر لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي المحيط به. فالاستهداف المتكرر لمدينة مدنية بعيدة نسبيا عن خط المواجهة التقليدي ينطوي على رسالة سياسية، أكثر مما هو عملية عسكرية ذات غايات ميدانية.

ما تغيّر في هذه الجولة هو طريقة الرد. فقد قابلت القوات المسلحة الملكية هجوم مايو 2026 بعملية موضعية دقيقة، أسفرت عن تدمير آليات تابعة لعناصر البوليساريو على الحدود المغربية الموريتانية. في حين كان الرد على هجوم يونيو 2025 قد اتخذ شكل ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت عناصر عسكرية للجبهة كانت متمركزة في المنطقة العازلة خلف الجدار الرملي. المعادلة في تغير واضح: لم يعد المغرب يكتفي بالتنديد والتوثيق، بل بات يردّ بسرعة وانتقائية من يعرف ما يريد.

ما يستوقف المراقب أكثر هو توقيت الضربة الأخيرة. فقد جاءت في خضم نقاشات دولية متصاعدة حول مستقبل النزاع، بعد مفاوضات جرت في فبراير 2026 داخل السفارة الأمريكية في مدريد، وضمّت لأول مرة منذ سنوات المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو على طاولة واحدة تحت الوساطة الأمريكية. وفي هذا السياق، يغدو إطلاق المقذوفات على السمارة أشبه بمحاولة تفجير مسار يبدو أنه بدأ يتحرك بشكل جدي للمرة الأولى منذ سنوات.

لم تمضِ ساعات على سقوط المقذوفات حتى تحوّل المشهد الدولي إلى ما يشبه الإجماع النادر. فمن واشنطن إلى باريس إلى بروكسيل فمدريد ولندن، تعالت أصوات الإدانة التي لم تكتفِ هذه المرة بالشجب الشكلي الرتيب، بل ذهبت مباشرة إلى جوهر الأزمة، مطالبةً بإنهاء نزاع "لم يعد له ما يبرر استمراره"، و مؤكدة أن مقترح الحكم الذاتي وفق قرار مجلس الأمن 2797 هو الإطار الوحيد القابل للحياة. وكأن الجبهة بضربتها هذه لم تستهدف السمارة وحسب، بل استهدفت مصداقيتها الدولية المتآكلة أصلا، وأهدت خصومها ذريعة جديدة للتسريع نحو الحسم. 

ويجد البوليساريو نفسه اليوم محاصرا بضغوط متقاطعة لا يمكن التهوين منها. على الصعيد الدبلوماسي، تتسع دائرة الدول التي تعترف بمغربية الصحراء أو تدعم مقترح الحكم الذاتي، بعد أن انضمت إسبانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة في تبنّي هذه الرؤية باعتبارها الحل الواقعي الوحيد. وعلى صعيد الكونغرس الأمريكي، طُرح في يونيو 2025 مشروع قانون لتصنيف الجبهة منظمةً إرهابية، وهو تطور يضيّق هامش مناورتها الدولية بصورة لافتة. أما المبعوث ستافان دي ميستورا فيتحدث صراحةً عن "زخم حقيقي" لحل النزاع، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي لم يعد مرتاحاً لمنطق إدارة الأزمة اللانهائية.

ولافت أيضا أن الجزائر، التي طالما قدّمت نفسها مجرد "دولة مراقبة" لا طرفاً في النزاع، وجدت نفسها هذه المرة في موقف دفاعي تحاول فيه التنصّل من مسؤولية ما جرى في السمارة. وهو ما يعكس أن المجتمع الدولي بات يدرك أكثر فأكثر الدور الذي تضطلع به الجزائر في تغذية هذا الملف، في وقت تسعى فيه لأن تبدو بمنأى عن تبعاته.

في نهاية المشهد، ربما يكون أبلغ ما تقوله أحداث السمارة الأخيرة هو هذا التناقض الصارخ: ميدانيا تُطلَق مقذوفات وتُدمَّر آليات، لكن دبلوماسيا ينكشف مشهد مختلف تماما، تتراجع فيه أوراق الضغط التقليدية لمناهضي مغربية الصحراء، وتتصاعد فيه الإرادة الدولية نحو تسوية نهائية. إن دوي القصف في سماء السمارة لم يكن سوى صرخة من يشعر أن الوقت يفوته، لا صوت من يمسك بزمام المشهد ويرسم ملامح المستقبل.

-باحث مغربي  في العلوم السياسية