عشية حلول شهر رمضان لهذا العام، واجه المسلمون في عدد من الدول الأوروبية حالة من الحيرة والارتباك نتيجة الخلاف حول تحديد أول أيام الصيام بين أبرز الهيئات الدينية في البلاد.
وبدا أن حذة الحيرة والجدل هذه السنة كانت أكثر من أي وقت مضى، خصوصا مع زيادة في حدة الآراء المتداولة على السوشيال ميديا، وانقسام الجمعيات والمراكز.
فرنسا.. انقسام واضح
ففي ليلة "الشك"، في فرنسا مثلاً، ترقب المسلمون الإعلان الرسمي عن بداية رمضان، وسط متابعة دقيقة للرؤية الشرعية للهلال والحسابات الفلكية.
وأعلن مسجد باريس الكبير، اعتماداً على مراقبة الهلال مدعومة بالحسابات الفلكية ووفق قرار المملكة العربية السعودية، أن يوم الأربعاء الموافق 18 فبراير هو أول أيام الشهر الفضيل.
في المقابل، قرر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أن الخميس 19 فبراير هو اليوم الأول للصيام، مستنداً إلى معايير فلكية خاصة يعتمدها.
هذا التباين في القرارات أثار حيرة واضحة بين المسلمين في فرنسا، وأعاد إلى الواجهة الجدل السنوي حول توحيد المرجعية الدينية بين الرؤية البصرية للهلال والحسابات الفلكية، في بلد يضم واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا.
إيطاليا.. غياب مرجعية موحدة يزيد الارتباك
في إيطاليا، الوضع مشابه لكنه أكثر تعقيداً، حيث لا توجد هيئة دينية موحدة تمثل جميع المسلمين، ويختلف اعتماد بداية رمضان بين اتحادات وجمعيات ومساجد متعددة، أبرزها اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا. بعض المساجد تعتمد رؤية الهلال، بينما تلجأ أخرى إلى الحسابات الفلكية.
هذا التعدد انعكس في عدم توافق بعض المساجد الإيطالية مع إعلان بعضها الآخر، حتى ضمن نفس المدينة، ما يعكس انقسامات ثقافية ومذهبية واجتماعية بين الجاليات.
وفي بعض المدن، تحوّل تحديد أول أيام رمضان إلى مصدر جدل سنوي، يتكرر كل عام ويثير نقاشات حول دور الهيئات الدينية في توحيد الممارسة بين المسلمين.
أبعاد جغرافية أيضا
يرى مراقبون أن الخلاف لم يعد يقتصر على اختلاف طريقة الرؤية، بل تأثر مؤخرا بالخلافات الجيوسياسية، خصوصاً بين الجاليات المغاربية.
فمسجد باريس، المدعوم مالياً من الجزائر، غالباً ما يتخذ مواقف تختلف عن الجمعيات المغربية المسيطرة على المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، ما يعكس صراعات تاريخية، ازدادت حدة مؤخراً، حول قيادة الجالية ومواردها، مثل تجارة اللحوم الحلال.
و في إيطاليا، تنعكس هذه الانقسامات بين اتحادات متعددة ومصالح جاليات مختلفة، ما يزيد من تعقيد الأمر.
السوشيال ميديا.. تزيد الأمر تعقيدا
إلى ذلك، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تداول عدد من الفيديوهات التي أثارت المزيد من الجدل حول تحديد مطلع رمضان في أوروبا، وزادت حدة الخلاف بين بعض الفقهاء والجاليات المسلمة.
و ركزت هذه الفيديوهات على آراء متباينة في مسألة الرؤية الشرعية للهلال، وأظهرت تصاعد الانقسام بين من يصر على الاعتماد على الحسابات الفلكية الدقيقة، وبين من يشدد على الرؤية بالعين المجردة.
هذا الجدل لم يقتصر على النقاش الفقهي فحسب، بل امتد إلى تفاعلات ساخنة بين رواد السوشيال ميديا، ما جعل مسألة بدء رمضان في بعض الدول الأوروبية قضية حساسة ومثيرة للجدل أكثر من أي وقت مضى.
